ما هو الفرق بين طروحات حركة زايتجايست و الشيوعية و الاشتراكية؟

ان الافكار القائمة على الاراء تقوم عادة بتعريف نفسها من خلال انتقاد الافكار الموجودة اما بالنسبة الينا فاننا لا نرى ان العالم ميدانا لصراع الافكار. فالافكار هي منتوجات اجتماعية لها وظائف اجتماعية. و هي تتراكم وتتطور عبر الزمن في ترابط مع تطور حياتنا المادية. بهذا المعنى تكون البشرية مدينة في كل لحظة من ابداعاتها الفكرية الى جميع الافكار والمفكرين السابقين لا توجد اية افكار تاتي من الفراغ والعدم عبر تفتق ذهنية ثاقبة لهذا المفكر او ذاك. لذلك فاننا نؤكد على اننا لا ننتقد او نحاكم الشيوعية او اية افكار اخرى بل نقوم بتحليل و مقارنة جميع الطروحات و البدائل استنادا الى المنهجية العلمية في التفكير لتوضيحها و ظهار نقاط اختلافاتها المنهجية عن طروحات الاقتصاد القائم على الموارد الذي تتبناه حركة زايتجايست و مشروع فينوس.

 


*********************


لم تعد الاشتراكية و الشيوعية في عصرنا تعني شئ واحد بل اشياء كثيرة, فما عدى التجارب الحية التي تدعي الشيوعية كالصين و كوريا الشمالية فان هنالك المئات من التوجهات و التيارات و المدارس الاشتراكية و الشيوعية الاخرى في عصرنا تنفي احداها الاخرى و تعيش صراعا فكريا و ايديولوجيا عميقا ضد بعضها, و بالنظر الى ذلك فاننا سنتجنب الحديث هنا عن التجارب و المدارس المعاصرة المنتشرة لهذا الفكر و نتحدث عن الشيوعية و الاشتراكية من وجهة نظر تاريخية.

كانت الطروحات الشيوعية امتدادا لعصر التنوير في اوروبا و انتصار المنهجية العلمية في التفكير في مجالات الحياة المختلفة و تخلصها من هيمنة الكنيسة و من الخرافات. و التي تزامنت مع الثورة الصناعية و انتصار العلاقات الراسمالية في الانتاج و من ثم ظهور الطبقة العاملة في اوربا.


يعد كتاب كارل ماركس "راس المال" من اهم الانتقادات العلمية للمنظومة الراسمالية, قدم خلالها تحليلا علميا حول اليات عمل المنظومة هذه و نقاط ضعفها التي ستؤدي الى نهايتها. و ما زال جميع خبراء الاقتصاد الراسمالي و كل دارسي الاقتصاد و العاملين في اسواق البورصة العالمية يستفيدون من هذا الكتاب و يعتبرونه مرجعا علميا لا يمكن تجاوزه لاجل فهم اليات عمل المنظومة للتعامل معها حتى يومنا هذا. هذا ينطبق ايضا على منهج ماركس التحليلي حول المادية التاريخية و الديالكتيكية. في الحقيقة استخدم كارل ماركس المنهجية العلمية لتطويرا افكار هيغل و فيورباخ و سانسيمون و غيرهم و قدم نتاجا فكريا تحليليا علميا هاما لفهم العالم و تفسيره.


بدأ ماركس نشاطه السياسي بعد ان اعلن ان جميع الفلاسفة في الماضي ارادوا تفسير العالم و قد ان الاوان لتغييره و عدم الاكتفاء بتفسيره. فتأسست الاممية الاولى التي اصدرت وثيقة البيان الشيوعي عام 1848.


اصدرت الاممية الشيوعية الاولى وثيقة البيان الشيوعي بينما كانت الراسمالية قد بدات لتوها عصر ازدهارها كمنظومة. كانت اجزاء كبيرة من اوروبا ما تزال تعيش علاقات ما قبل الراسمالية من عبودية و قنانة. فلم تكن التكنولوجيا قد تطورت بما يكفي لتحقيق الوفرة بما يسمح الى التخلص من نظام التوزيع القائم على النقود و الاسواق و بالتالي العمل بالاجرة. فكان لا بد لاي منظومة مقترحة ان تستخدم النقود و نظام السوق و البيع و الشراء و الاجور مقابل العمل. و لم تكن التكنولوجيا حينها قد تطورت للاستغناء عن الاعمال الرتيبة و الخطيرة و غير المرغوبة لايكالها الى الآلات. و لم يكن بمقدور كارل ماركس ان يتحدث عن الحواسيب و الروبوت و الانترنيت و العقول الالكترونية و عن عالم قائم على الوفرة سيستغني عن الجهد العضلي و الفكري للبشر و عن نظام التوزيع على اساس النقود, في ذلك الوقت. و ما عدى بعض الاشارات القليلة الى توقع ذلك في مستقبل غير منظور لم يتحدث ماركس و لا غيره من الشيوعيين عن اقامة عالم الوفرة و لم يكن بمقدوراحد ان يتنبأ باشياء ستحدث في المستقبل دون ان يكون غارقا في الطوباوية.


كانت المهمة الاصلية التي انشغل بها الشيوعيون في ذلك الوقت تدور حول كيفية ايجاد منظومة جديدة للتحول من عالم راسمالي قائم على الندرة الى عالم "لا راسمالي" قائم ايضا على الندرة على الاقل في المراحل الاولية. بمعنى اخر فان الشيوعية كانت تريد ان تقيم عالما يستخدم اليات المنظومة الراسمالية, و لكن يسيطر عليها العمال بدلا من الراسماليين و ادارة هذا النظام عبر السلطة العمالية نحو مجتمع اعلى لم يكن واضح المعالم او معروفا لاحد. فجاءت الفكرة التي تم تلخيصها في جملة "من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله". التي كانت تعني عمليا انه في المرحلة الاولى من اقامة النظام الشيوعي سيظل هنالك قصور و لا عدالة في حصول الناس على حاجاتهم لان مقدار العمل الذي تؤديه و الاجر الذي ستحصل عليه لقاء ذلك هو الذي سيقرر مقدار الاشياء التي ستحصل عليها. مما يعني بقاء نظام العمل بالاجرة و الاسواق و لكن حسب تصور ماركس سيكون هذا باشراف سلطة دولة ديكتاتورية العمال. ان الندرة وعدم القدرة على تجاوز المنظومة النقدية دفعت الاممية الشيوعية الاولى الى اقتراح القيام بثورة عنيفة ينظمها الحزب القائد للطبقة العاملة تهدف الى نزع السلطة بالقوة من الطبقة الراسمالية و مصادرة ممتلكاتهم و اقامة سلطة دكتاتورية البروليتاريا لاقامة المجتمع الاشتراكي الذي سيضع وسائل الانتاج في يد الطبقة المنتجة.


هذه السطور القليلة المقتبسة من البيان الشيوعي تسلط الضوء على هذا التوجه


"البروليتاريا ستستخدم سلطتها السياسية لتَنتَزع من البرجوازية تدريجيا، رأس المال كله، ولِـتُمركز أدوات الإنتاج كلّها في أيدي الدولة، أي في أيدي البروليتاريا المنظَّمة في طبقة سائدة، ولتزيد حجم القوى المنتجة بأقصى سرعة ممكنة.

وفي البداية، لا يمكن حدوث ذلك طبعا، إلاّ بالانتهاك الاستبدادي لحقّ الملكية ولعلاقات الإنتاج البرجوازية، أي بتدابير تبدو، إقتصاديا ناقصة وغير مأمونة البقاء، لكنّها تتجاوز نفسها في مجرى الحركة، وهي لا غنى عنها كوسيلة لقلب نمط الإنتاج بأسره.

وطبعا تختلف هذه التدابير تبعا لاختلاف البلدان.

غير أنّ تطبيق التدابير الآتية ممكن، بصورة عامة تقريبا، بالنسبة إلى البلدان الأكثر تقدما:

١- نزع الملكية العقارية وتخصيص الريع العقاري لتغطية نفقات الدولة.

٢- (فرض) ضريبة تصاعدية مرتفعة.

٣- إلغاء قانون الوراثة.

٤- مصادرة ملكية جميع المهاجرين والعُصاة.

٥- مركزة التسليف في أيدي الدولة بواسطة مصرف وطني رأسماله للدولة والإحتكار له وحده.

٦- مركزة وسائل النقل في أيدي الدولة.

٧- تكثير الفبارك الوطنية وأدوات الإنتاج، واستصلاح الأراضي الموات وتحسين الأراضي المزروعة، وفق تخطيط عام.

٨- عمل إلزامي متكافئ للجميع، وتنظيم جيوش صناعية، لا سيما للزراعة.

٩- التوفيق بين العمل الزراعي والصناعي، والعمل تدريجيا على إزالة الفارق بين المدينة والريف.

١٠- تربية عامة ومجانية لجميع الأطفال، وإلغاء عمل الأولاد في الفبارك بشكله الراهن، والتوفيق بين التربية والإنتاج المادي، إلخ.."



كانت الفكرة تبدو جذابة و ثورية للغاية ولكنها لاقت معارضة شديدة من ميخائيل باكونين الذي كان ثاقب النظر عندما توقع بان سلطة من هذا النوع ستحتاج الى الاف الموظفين البيروقراطيين و العسكريين و ان هؤلاء سيتحولون الى طبقة متنفذة اشد فتكا بالعمال من الراسمالية. و قد تم طرد ميخائيل باكونين و مؤيديه من الاممية الاولى بسبب ذلك. فنشأ بذلك التيار الاناركي اللاسلطوي من خلال باكونين الذي دعى الى تحطيم السلطة الراسمالية و رفض السلطة بجميع اشكالها.


بعد ثورة اكتوبر عام 1917 بقيادة الحزب البلشفي تحققت نظرية ماركس في اقامة السلطة العمالية و معها تنبؤات باكونين بتحولها الى دكتاتورية الموظفين و الحزب و التي اصبحت جلية في عهد ستالين. ان الاشتراكية التي تحققت من خلال النموذج السوفيتي كانت في الحقيقة راسمالية الدولة بدلا من الدولة الراسمالية, و هي كانت راسمالية قائمة على الموظفين و غرقت في الفساد و الرشوة و المحسوبية و الاستبداد, و اقامت نموذجا مشوها للراسمالية بسبب عدم كفائتها و كانت اشد فسادا و فتكا من راسمالية اقتصاد السوق الحرة. و قد تحولت الشيوعية تدريجيا الى عقيدة جامدة ترتكز على فكرة سيطرة الدولة على وسائل الانتاج "التاميم". هذا النموذج انتقل الى دول العالم الثالث التي كانت تعاني من الاستعمار و التخلف باعتبار ان تدخل الدولة كانت افضل وسيلة للنهوض باقتصاديات تلك البلدان وتحررها من الاستعمار و الهيمنة الاقتصادية لها. وقد حققت التجربة الناصرية في مصر و الاشتراكية القومية في العراق و غيرها بعض المكاسب لصالح النهوض باقتصاديات هذه البلدان و لكنها سرعان ما اظهرت فشلها و فسادها وضعفها امام المنافسة الحرة.


بعد انهيار الاتحاد السوفيتي و سقوط جدار برلين لم يبقى من الاشتراكية و الشيوعية سوى عقيدة تسبح في فضاءات غرف المثقفين الذين يعرفون كل شئ عن مساوئ العالم الراسمالي و لا يعرفون اي شئ عن كيفية اقامة عالم لا راسمالي بعد ان فقد نموذج اقتصاد الدولة مصداقيته و بريقه.


و مع تحول الشيوعية السلطوية الى مذهب عقائدي انقسمت الشيوعية الاناركية هي الاخرى الى تيارات و مذاهب تعيش على تفسير المخطوطات القديمة و فقدت هي الاخرى ارتباطها بالمنهجية العلمية و بالعالم الواقعي برغم كونها حركة تمتلك تراثا و رؤية اكثر انفتاحا وقدرة على التطور.


ليست لدى حركة زايتجايست و مشروع فينوس اية مرجعية فكرية غير المنهج العلمي في التفكير و تطبيقاتها على الحياة الاجتماعية و الذي لا يضع اي اعتبار سوى للواقع كما هو عليه الان. نحن ندرك اننا نعيش عصر الوفرة و ان بمقدورنا الان اعادة تصميم العالم و اقامة نظام اجتماعي جديد على اساس هذا الواقع الجديد.

ما هو الفرق بين مجتمع الندرة و مجتمع الوفرة؟

سنستخدم هذا المثال المجازي الذي نرجو ان لا يؤخذ حرفيا


في العالم الراسمالي في عصر الندرة كانت هنالك تفاحة واحدة تذهب نصفها الى شخص واحد و يتفاسم عشرة اشخاص النصف الاخر.

الاشتراكية دعت الى مصادرة التفاحة وتقاسمها بشكل عادل وهي لاجل تحقيق توزيع عادل كانت بحاجة الى سل

طة تشرف على القسمة العادلة. - نرجو الانتباه الى كلمة القسمة مقارنة بالاتاحة و الوفرة.

في اقتصاد الوفرة الراسمالية يتم انتاج فائض من التفاح مما يتسبب في الكساد والتوقف عن انتاجه او

حتى اتلافه للاحتفاظ باسعاره فلا يحصل الجميع على التفاح. اي ان 

هنالك ندرة مصطنعة لحماية الارباح.

في الاقتصاد القائم على الموارد سننتج ما يكفي من التفاح استنادا الى حاجات الناس فيحصل الجميع عليها بدون نقود او مقابل. - التوفير و الاتاحة و ليس التقسيم العادل على اساس حصص-


في الاقتصاد القائم على الموارد سيرتبط الانتاج بالاستهلاك وبحاجات البشر و ليس بالاسواق كما في النظام الراسمالي او الاشتراكي و سيؤدي تحقيق الوفرة الى انهاء النظام القائم على النقود فلا توجد اجور و لا فواتير و لا نقود ولا بنوك و لا تبادل من اي نوع كما هو الحال مع النظامين الراسمالي و الاشتراكي, و سيتم استخدام ميكنة الانتاج لتحرير البشر من جميع الاعمال الرتيبة و الخطيرة و الكريهة لكي يتفرغ الناس الى الاعمال الابداعية التطوعية و مراقبة الانتاج و اصلاح المشاكل و ممارسة هواياتهم. لن تكون هنالك اية ضرورة لوجود السلطة و الدولة التي سيجري تعويضها بالادارات الذاتية التي لا تمتلك اية سلطة و لكنها ستتشكل من المتطوعين ذوي الخبرة في المجالات التي يعملون فيها والذين يستندون على المنهجية العلمية للتوصل الى القرارات. هذه الادارات لا يمكنها ان تفسد لانها لا تمتلك اي مقومات الفساد, النقود و الملكية و الجيوش و الشرطة و السجون و يمكن تدريجيا الاستغناء جزئيا او كليا عن البشر في هذه الادارات و نعهد بالقرارات المنطقية للحواسيب كلما كان ذلك ممكنا.


و سيتم اعادة تصميم المدن و الكيانات الاجتماعية المختلفة على اساس الاكتفاء الذاتي و الادارات الذاتية التي ستكوّن مع بعضها شبكة مترابطة من الادارات ترتبط ببعضها البعض لتشكل منظومة موحدة لادارة كوكب الارض.


لم نعد في عصرنا بحاجة الى الاحزاب الهرمية لاقامة عالم هرمي من نوع جديد. و لا الى السياسة لاقامة واقع سياسي مغاير فالسياسة ممارسة فاسدة عفى عليها الزمن. نحن بحاجة الى حركة اجتماعية تنظم نفسها حول هذا البديل بطريقة مشابهة لحركة الحقوق المدنية او حركة احتلال. و بذلك ستتكفل الجماهير المنظمة و الواعية التي تعي مهامها باتخاذ الخطوات اللازمة للتحول الى عالم جديد. و هو ما يجعل من مهمة الحديث عن كيفية اعادة تصميم حضارتنا و نشر قيم العالم الجديد في صلب مهام اي حركة تعمل الان لاجل تغيير العالم.


اقرأ المزيد عن الموضوع في المقال هنا 

انتهاء عصر السياسة في عالم يعيش على مفترق طريق




Comments