انتهاء عصر السياسة في عالم يعيش على مفترق طريق


الايديولوجيات السياسية بجميع اشكالها من اقصى اليمين الى اقصى اليسار, هي عبارة عن تصورات مختلفة كانت تهدف الى تنظيم مجتمع الندرة القائم بشكل او بآخر على اساس كيفية اعادة توزيع الموارد بين افراد المجتمع الذي يسير على اقتصاد السوق او الاقتصاد القائم على المال. 
الامر الذي يغيب عن انصار الحلول السياسية هو أن البشرية تجاوزت اقتصاد الندرة منذ عقود طويلة و قد بلغنا بفضل تطور تكنولوجيا الانتاج و الروبوت و الأتمتة و الحواسيب مرحلة الوفرة. 

ان سبب الازمة الحالية في اقتصاد السوق هي وفرة الانتاج. و حيث ان الانتاج لاجل الربح و الاسواق يتطلب الندرة. فان الطاقات الانتاجية الهائلة للالة الحديثة تسببت في ان يعيش اقتصاد السوق كسادا خانقا لا مخرج منه. حيث تتكدس البضائع و تمتلئ الاسواق بها و لا يمكن بيع المزيد خصوصا وان الناس لا يمتلكون المال اللازم لشراء البضائع لانهم اصبحوا يخسرون اعمالهم لصالح الالة و الروبوت. 

ان انتهاء عصر الندرة هو اعلان بانتهاء عصر السياسة و الافكار السياسية و جميع ايديولوجيات هذا العصر و التي كانت جيدة بهذا الشكل و ذاك لتنظيم توزيع الموارد بين افراد المجتمع و التي كانت نادرة لا تكفي الجميع فيما مضى. السياسة هي مفاهيم مختلفة لتنظيم توزيع الموارد عبر النقود و لا يمكن للافكار السياسية و الحكومات و الايديولوجيات السياسية التي عفى عليها الزمن بعد الان معالجة مشاكل البشر. فالازمة ازمة اليات و طريقة عمل النظام الاجتماعي القائم على اساس النقود, النظام الذي لم يعد قادرا على الحياة مع تطور وسائل الانتاج في عصرنا و لم يعد يتناسب مع قدراتنا الحقيقية لتحقيق الرفاهية و اقامة مجتمعات اكثر انسانية 

لذلك فاننا لم نعد بحاجة الى احزاب سياسية و افكار سياسية و ثورات تهدف الى اعادة تنظيم المجتمع سياسيا لصالح جميع الطبقات الاجتماعية او بعضها و اعادة توزيع الموارد بين افراد المجتمع. لان هذا ببساطة غير ممكن عندما تغلق المعامل ابوابها بسبب امتلاء الاسواق بالبضائع أو عدم قدرة الناس على الشراء, الاعتماد على كمية النقود التي معك لاقرار كمية الحاجات التي تستطيع الحصول عليها لم يعد عملا مبررا او ضروريا و يترتب عليه تدمير للبيئة و هدر للموارد و ضغوطات نفسية هائلة. و المحافظة على مجتمع كهذا مكلف للغاية. بمقدورنا توفير حاجات البشر جميعا دون الحاجة لاستخدام اي شكل من اشكال المقايضة و التبادل النقدي و نظم الاستعباد الاخرى. و نحن لسنا بحاجة سوى الى عشرة سنوات لتغيير شكل الحياة على سطح الارض اذا قررنا ذلك

نحن بحاجة الى تغيير النظام الاجتماعي الحالي الذي لم يعد قادرا على توفير حاجات البشر. و لاجل القيام بذلك فاننا بحاجة الى ثورة اجتماعية تطالب بتغيير طريقة الحياة على سطح كوكب الارض. ما نراه من ازمات و حروب و كوارث بشرية ليست احداث متفرقة و انما تداعيات انهيار المنظومة الاقتصادية العالمية و التي بدات تتآكل في الاطراف, حيث تقوم الدول الكبرى اقتصاديا بتصريف ازمتهم الى الدول الفقيرة و تحاول انقاذ نفسها على حسابهم و لكن هذه الانهيارات ستتواصل حتى ينهار النظام برمته, انها مسالة وقت لا اكثر. هذه الحقائق تستند الى الرياضيات و لا تستند الى الاراء الشخصية.

 ايديولوجيات مجتمع الندرة - الشيوعية - الليبرالية - الاصلاحية


لقد طرحت الشيوعية في اواسط القرن الثامن عشر بعض الافكار و التصورات عن مجتمع الوفرة المجانية في ادبياتها ولكن الحركة الشيوعية لم تكن منشغلة في تحقيق ذلك مباشرة لان البشرية لم تكن تمتلك مستلزمات التحول الى مجتمع الوفرة بسبب تخلف وسائل الانتاج في حينه لذلك فان الامر الشاغل للفلاسفة و الكتاب الشيوعيين لم يكن كيفية تنظيم مجتمع الوفرة باستخدام العلم بل كان حول كيفية تنظيم مجتمع الندرة باستخدام السياسة و كان لابد ان يكون ذلك بقيادة الطبقة العاملة على امل تطوير وسائل الانتاج في ظل السلطة الاجتماعية لهذه الطبقة و الوصول بها الى مرحلة الوفرة التي كانوا يرونها امرا مستقبليا في ذلك الحين. و من هنا جاءت طروحات ماركس حول سلطة الطبقة العاملة في نظام انتقالي اشتراكي يتم فيه توزيع الموارد لكل حسب عمله على امل تطور هذا النظام الى مجتمع الوفرة لكل حسب حاجته. الامر الذي رفضه باكونين باعتبار انها ستؤدي الى اقامة سلطة بيروقراطية اكثر بشاعة من الراسمالية و هو ما حصل بالفعل. اما باكونين فقد طرح من جانبه تصورا سياسيا اخر لتنظيم مجتمع الندرة و الذي عرف بالاقتصاد الاناركي و ذلك عبر اقامة التعاونيات و الغاء السلطة و هو ما كان يعني في ظل مجتمع الندرة, العودة الى المزارع الفلاحية الحرة الصغيرة و التي لم تكن عملية و قادرة على الحياة مع الصناعة الحديثة و المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية حيث ان الصناعة الضخمة بحاجة في الانتاج و التسويق الى تنظيمات ادارية كبيرة وتمر عبر حلقات واسعة ولا يمكنها ان تتعايش مع اقتصاد مقسم الى تعاونيات صغيرة غير بيروقراطية تعيش حالة من ندرة المنتجات. فكان تطبيق الاقتصاد الاناركي يعني العودة عمليا الى الانتاج الزراعي التعاوني الصغير, بينما كان تطبيق الاقتصاد الاشتراكي على الطريقة الماركسية يعني بناء نظام استبدادي بيروقراطي وقد فشلت جميع محاولات الشيوعيين في بناء مجتمع عادل قائم على الندرة بعد الاطاحة بالراسمالية حسب تعبير  هذه 
النظريات

لم تنهِ الوفرة التي حققتها التكنولوجيا قيم و افكار انصار الراسمالية و السوق الحرة و حسب بل انهت الحلول القديمة التي قدمها خصومها ايضا و انهت عصر السياسة معها. فالسياسة بجميع اشكالها لم تكن يوما اكثر من فنون و نظريات مختلفة لتنظيم مجتمع الندرة

الاحزاب السياسية

الاحزاب السياسية هياكل هرمية تعكس الواقع الاجتماعي الموجود المبني على الهرمية وتحكم البشر ببعضهم البعض وتابعيتهم الواحد للاخر. ان هذه المؤسسات كالاحزاب والتشكيلات التنظيمية الشائعة في مجتمعاتنا هي مؤسسات عقيمة فاشلة تقتل الارادة الحرة والتفكير المبدع لدى البشر وتجعلهم عبيد تابعين مسلوبي الارادة يمنحون الاخرين حق التفكير بدلا عنهم

ان بناء مجتمع جديد يتطلب وجود بشر احرار لديهم وعي واحساس بالمسؤولية تجاه انفسهم والاخرين. فالانسان كائن اجتماعي وسلوك الافراد هو نتاج وانعكاس للسلوك الاجتماعي, واذا اعدنا الامور الى نصابها فان الافراد يتصرفون وفق المصلحة الاجتماعية وليس وفق النزعات الفردية. سيتصرف المجتمع باسره على اساس كونه نسيج هارموني منسجم داخليا و مع الطبيعة وباقي اشكال الحياة ولا يعود البشر بحاجة الى الهرمية والمؤسساتية او الى قادة يقولون لهم كيف عليهم ان يفكروا او يفعلوا.

نحن لذلك نؤكد على عقم كل اشكال الحزبية والتحزب والسياسة وندعو بدل من ذلك الى عمل اجتماعي دون هرمية او قيادات نامل لها ان تنتشر لتشمل المجتمع باسره وترسي اساسات متينة لمجتمع يدير نفسه ذاتيا وبدون الحاجة الى الحكومات والمؤسسات البيروقراطية.

ان هذا يبدو غريبا ويصعب علينا تصديقه و استيعابه ولكن في المستقبل سيجد البشر صعوبة في تصديق واستيعاب هذا الذي نفعله نحن الان ولا يعرفون لماذا كان الانسان بحاجة الى الشرطة مثلا للتوقف عن قتل او سرقة بعضهم البعض لماذا لم يكفوا عن عمل ذلك وحسب.

طروحات الاقتصاد القائم على الموارد و تغيير النظام الاجتماعي

ان طروحات الاقتصاد القائم على الموارد تاتي في عالم يعيش ازمة كبرى ليس بسبب الندرة كما كان في السابق بل بسبب الوفرة التي حققها التطور التكنولوجي و الالة الحديثة كما قلنا. نحن اذن بحاجة الى تغيير اجتماعي و قد نفذت جميع الفرص امام اقامة اصلاحات سياسية او تغييرات من اي نوع فالراسمالية تعيش اوضاع مشابهة لتلك التي عاشتها الاقطاعية في اوروبا اثناء الثورة الصناعية, و ان الاصلاحات الوحيدة الممكنة هي الاصلاحات  باتجاه التغيرر الاجتماعي باتجاه اقامة نظام اجتماعي جديد و هو النظام الاجتماعي الذي سيهد قبل كل شئ جميع المفاهيم السياسية و البدائل السياسية  المطروحة و قبل كل شئ المؤسسات السياسية . التغيير باتجاه نظام اجتماعي جديد و هو لاقتصاد القائم على الموارد هو تغيير اجتماعي اقتصادي و يتم عبر الاستخدام المباشر للتكنولوجيا في اقامة الوفرة و تنظيم و ادارة المجتمع عبر المنهج العلمي بدلا من السياسة. لقد تجاوزت البشرية مجتمع الندرة الراسمالية و معها جميع الطروحات الليبرالية و الشيوعية و غيرها حول كيفية تنظيم مجتمع الندرة عبر المؤسسات السياسية ومع انتهاء عصر الندرة انتهت جميع الحلول السياسية التي كانت ضرورية و مصاحبة لهذا العالم الذي اصبح الان جزءا من الماضي وجزء من العالم القديم الذي في طريقه الى الاضمحلال و التفكك

الخطر الان يكمن في ان هذه الانهيارات بمقدورها ان تؤدي الى حروب اهلية و اقليمية دموية قد تتطور الى حرب عالمية مدمرة لكل الحضارة البشرية التي نعرفها, هذا اذا لم يؤدي الانهيار الى تغيير اجتماعي جذري في طريقة حياتنا على الارض.

ما العمل اذن؟


الثورة الاجتماعية تتطلب وعيا اجتماعيا يفترض انتشاره بين الناس. المجتمعات البشرية المختلفة ستواصل محاولاتها لحل مشاكلها عبر السياسة و السياسيين و ستتعلم تدريجيا عبثية هذه المحاولات و مع استمرار تفاقم الازمة ستتوصل الجماهير الى ضرورة التغيير الاجتماعي و تتعلم ذلك من خلال تجاربها. نحن بحاجة لذلك الى انتشار منظمات اجتماعية تعمل على نشر الوعي بالتغيير الاجتماعي و تقوم باعداد الجماهير الى هذا التغيير. ينبغي ان تؤدي الثورات القادمة الى امتلاء الميادين بالمطالبين بالتغيير الاجتماعي و رفضهم مواصلة الحياة على الطريقة القديمة. ان هذه المنظمات هي بمثابة الجهاز المناعي في جسد المجتمع الذي يعني عدم ظهوره موت هذا الجسد المريض. 

على البشرية ان تتعلم ان تطالب بتغيير طريقة الحياة السائدة لانها لم تعد طريقة للحياة بل هي في الحقيقة طريقة للموت الجماعي للجنس البشري. بمقدورنا اعادة تصميم عالمنا لبناء جنة على الارض و هذا يعتمد على سلوكنا نحن البشر في الاعوام القادمة. 
Comments