هل ان التكنولوجيا عدوة البشر؟

الطرح لتالي هو جزء من انتقاد تقدم به احد المتابعين لطروحات الحركة و نحن نحاول الرد عليه في هذه السطور ...


يقول الناقد:


"التكنولوجيا ليست أداة قائمة بحد ذاتها، بل هي أداة تنبثق من، وتعكس البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الذي تتواجد فيه. فإن كان المجتمع متساوياً وغير هرمي، التكنولوجيا ستكون شبكة صيد أو رمح يتعلّم كل شخص راشد في القبيلة أن يصنعها بيداه وتخوّله تأمين قوته من دون العودة إلى أي سلطة اقتصادية أو سياسية أخرى. وإن كان المجتمع يقوم على مركزيّة زراعية هرمية فالتكنولوجيا ستكون محراث وإهراءات حبوب وعربات يجرّها الخيل تستوجب تقسيم عمل وسلطات سياسية واقتصادية وجيوش من العبيد يعملون في الحقول لتأمين قوت الطبقات العليا، وإن كان المجتمع يقوم على مركزيّة صناعية معلوماتية فستكون التكنولوجيا طائرات وحواسيب وبرامج معلوماتية تستوجب شبكات هرميّة تمتّد على كافة أطراف الكوكب وتجعل من المستحيل على معظم سكّان الكوكب أن يأمنّوا قوتهم بأنفسهم من دون الاعتماد على هرميّة سياسية-اقتصاديّة معقّدة"

----------------------------


التكنولوجيا اذن حسب راي الناقد اداة سياسية و تعكس بنية اجتماعية و اقتصادية و ليس شئ قائم بذاته. لذا دعونا نتعمق قليلا في مفهوم التكنولوجيا.


التكنولوجيا هي ادوات و تطبيقات علمية للقيام بالاشياء بافضل شكل و اقل وقت و هدر ممكن في الجهد البشري. فالسكين الحجري الذي ابتكره الانسان في العصر الحجري هو تكنولوجيا و علم. اكتشاف النار و الزراعة و الرعي و بناء المنازل هي علوم و معارف اكتسبها البشر و تفنن في استخدام تكنولوجيا مختلفة لتنفيذها. ان التكنولوجيا ليست حواسيب و مصانع ضخمة و صواريخ فحسب بل هي جميع التقنيات و الادوات التي استخدمها البشر عبر العصور لتسهيل حياته. اما وقد استحوذت طبقات اجتماعية على وسائل الانتاج و التكنولوجيا و سخرتها في استغلال البشر لكسب الخيرات لصالحها فان الخطا ليس في التكنولوجيا و التكنولوجيا لا علاقة لها بطريقة حياة البشر و الدليل على ذلك ان المجتمعات البشرية كانت هرمية منذ اكثر من سبعة الاف سنة حتى قبل ان تكون هنالك تكنولوجيا زراعية متطورة. العبودية كانت موجودة قبل المحراث و لا علاقة للمحراث بالهرمية و لا تزول الهرمية بزوال المحراث بل بزوال مالكيتها. المحراث امر جيد عندما يصبح متاحا للجميع. 



الناقد يعتبر الادوات البسيطة التي يستخدمها شخص بمفرده مثل الرمح و شبكة الصيد و لكونها صناعة فردية و بسيطة يستطيع ان يجيدها الفرد لوحده فانها لا تعزز الهرمية و لكن عندما تكون لدينا عربات و محراث الي فان هذا التعقيد في التكنولوجيا يؤدي الى الهرمية و المركزية و السلطة. هذه الفكرة خاطئة و غير علمية. فالمجتمعات الطبقية و الهرمية ليست نتاج لطريقة انتاج الآلة, بل نتاج ارتفاع مردود الانتاج جراء استخدام الالات و تحول هذا المردود الى ثروات تراكمت لدى مجموعة من المالكين. ان ملكية الارض الزراعية لوحدها حتى بدون تكنولوجيا كانت كافية لبناء الهرمية و هذا امر معروف تاريخيا. ان وضع الامور بهذه الطريقة و ربط التكنولوجيا بالهرمية يؤدي الى استنتاج غير منطقي مفاده اننا اذا اردنا مجتمعا حرا فان علينا ان نتخلص من التكنولوجيا و علينا ان نزرع بايدينا و ليس بالمحراث. بعبارة اخرى علينا ان نعود الى الحياة البدائية. و هذا استنتاج غير منطقي. فالالة تحرر البشر من العمل الشاق و الالة تجعلنا نتواصل, جميع وسائل النقل من قطارات و طائرات تحتاج الى تكنولوجيا متطورة. الالات تمنحنا الادوية و الاجهزة الطبية الضرورية لاجراء جراحات قلبية و غير ذلك و هي تعطينا الكهرباء و الانترنيت ووسائل كثيرة ضرورية لحياتنا. لم يتجاوز عمر الانسان اكثر من ثلاثين سنة في المعدل قبل تطويرنا لادواتنا ووسائل انتاجنا. خمس البشرية قضت نحبها بمرض الطاعون قبل اختراع البنسلين. التكنولوجيا تمنحنا الرفاهية في منازلنا و القدرة على السفر الاف الكيلومترات بوقت قصير.


ان العودة الى الحياة البدائية يعني العودة الى العمل الشاق و المردود الشحيح للانتاج و من ثم اشاعة و توزيع الفقر و هو امر يتنافى مع الحرية و هو غير ممكن في عالم بلغ تعداده سبعة مليارات انسان. هل سندعو البشرية الى العودة الى مزارعهم و الى بناء بيوتهم بالطين, لا كهرباء و لا محطات تنقية مياه لا مستشفيات, لا اجهزة طبية, لا جامعات.

اليس هذا هراء مطلق.


الناقد يتوصل الى الاستنتاج التالي:


"انتاج لابتوب بسعر منخفض مثلاً ليس ممكناً من دون بنية هرمية قاتلة تتألف من التالي:

- حكومات مسلّحة تستطيع الدخول إلى أية أرض وطرد سكانها وتعدين ما تريده منها من معادن وموارد تحتاجها لصناعة الحواسيب، بغضّ النظر عن الضرر الإيكولوجي وحاجات السكان الأصليين وظروف عمل عمّال المناجم... الخ"


انتاج لابتوب "بسعر منخفض" ليس ممكنا بدون هرمية هذا صحيح و لكن انتاج لابتوب و اتاحته مجانيا للجميع بدون سعر لا يحتاج الى الهرمية لان الانتاج عمل اجتماعي و عندما يكون التوزيع ايضا اجتماعيا تزول الهرمية. ان انتاج اللابتوب يحتاج الى الموارد و ليس الى جيوش مقاتلة و طرد سكان و نهبهم.


ما ندعو اليه هو تغيير النظام الاجتماعي بالانتقال الى مجتمع الوفرة التي تهدف الى تحقيق حاجات البشر و توفيرها بدون نقود او اي شكل من اشكال التبادل, عن طريق جعل كل شئ مجانيا و الغاء النظام القائم على الاسواق و الارباح و العمل الماجور. ان هذا يعني ان المنتجات ستكون لها قيمة استهلاكية و ليس قيمة تبادلية. عندها لا يتم الانتاج بهدف الربح و لن يكون لاي شخص المصلحة في قتل الناس لاجل انتاج لابتوب سيصل الى من يستخدمها مجانيا.  عندما نزيل النظام القائم على الارباح و النقود و نلغي الحدود السياسية بين البشر و عندما نعمل كمجتمع ارضي يعتني بالحياة على الارض لن تكون هنالك مخاوف من تحول مؤسسة علمية مثل ناسا الى سلطة استبدادية فوق البشر لانها لاتمتلك اي من وسائل الاستعباد الموجودة في عالمنا الحالي. عندها لن تكون هنالك مخاوف من ادارة كوكب الارض عبر ادارات مركزية مرتبطة بالاف الادارات المحلية مهمتها جمع الاحصاءات و المعلومات حول البيئة و الموارد و تقوم بحل المشاكل العالقة لصالح جميع سكان الارض. فاذا قامت هذه الادارات القائمة على التطوع الاختياري الحر, بالتمييز بين مجموعات بشرية مختلفة و هو امر لا يمكن ان يحصل سوف لن يكون تغييرها و ابعادها اكثر صعوبة من تغيير النظام الحالي الذي يسيطر عليه مجموعة من الناس بالحديد و النار و الجيوش و السجون.


ان وسيلة جمع الثروات لاستعباد البشر هي النقود و الجيوش و الملكية و العمل الماجور و عندما تزول هذه الشروط يزول تحكم البشر ببعضهم و لا يستطيع اي انسان او جماعة اخضاع غيرهم و لا يضطر احدا لقبول فساد و استبداد اي مجموعة من الناس. لان الموارد و التكنولوجيا ستكون متاحة للجميع و اذا لم يعجبك الوضع تستطيع تغييره بنفسك.


لا يمكن العودة الى الحياة البدائية بحجة ان التكنولوجيا تحتاج الى الهرمية لان هذا التصور خاطئ دع عنك انه غير ممكن. لن تستطيع توفير الغذاء و المساكن و الحياة الرفاهية و العلاج و التعليم لسبعة مليارات انسان بدون استخدام التكنولوجيا. الندرة هي جوهر القصور البشري الذي ادى الى اقامة مجتمعات طبقية و بدون انهاء الندرة عبر تحقيق الوفرة سيضل استغلال البشر لبعضهم قائما. و تحقيق الوفرة امر مستحيل بدون استخدام التكنولوجيا و تطويرها اكثر فاكثر.


Comments