كيف يدفع العالم الثالث ثمن بقاء امبراطورية طبع الدولار؟

الدول النامية او دول العالم الثالث او الدول الفقيرة او ... سمها ما شئت هذه الدول هي في الحقيقة تحولت بفضل هيمنة الدولار و اليورو كعملة للتجارة العالمية الى الحديقة الخلفية للنظام الراسمالي العالمي و سوق للعبيد و النخاسة الرخيصة التي تعمل لقاء رغيف الخبز لتنتج الخيرات و الرفاهية و الاستقرار النسبي الذي يجري اعادة توزيعه في العالم الاول

اسياد الدولار و اليورو يطبعون العملة الصعبة من لا شئ يخلقونها من العدم لياخذوا بضائع حقيقية من دول العالم الثالث. و دول العالم الثالث عليها ان تحتفظ بتدني مستويات المعيشة لان العمل الرخيص هي البضاعة التي تبيعها مقابل العملة الصعبة. اما العملة الصعبة التي تحصل عليها هذه الدول فتذهب اغلبها الى حسابات الشركات و الحكومات و التي هي في معظمها تتحول بطريقة او باخرى الى ارصدة في بنوك العالم الاول. هي اموال بنوكهم و ليس - "بنوكنا". نحن في الحقيقة نبيع بضائعنا لقاء دولارات مطبوعة من لا شئ و نستدين دولارات مطبوعة من لا شئ و ندفع فوائد على هذا اللاشئ بالاضافة الى ديوننا. و لكن و سيلتنا الوحيدة في دفع ديوننا مع فوائدها هي البضائع الحقيقية التي يكدح ملايين الفقراء لانتاجها و ليس شيئا اخر



و منذ نهاية القرن الماضي شعرت دول الدولار و اليورو بان ديونها لعدد من دول العالم الثاني و الثالث اخذة في التراكم و التزايد. فاصبح لدى الصين و الدول الاسيوية الاخرى كميات من الدولار او سندات الدين الامريكية تتجاوز ما لدى امريكا و اوربا نفسها. فكان لا بد من ايجاد طريقة لاستعادة هذه الاموال المطبوعة التي توجد على شكل سندات ديون لدى الدول المنتجة الحقيقية التي تسمى العالم الثالث. فكانت احداث 11 سبتمبر التي ادت الى احتلال العراق و افغانستان و التي كانت ايران على قائمتها. الهدف من هذه الحروب كان السيطرة على تجارة المخدرات و النفط و ذلك لاستعادة تريليونات الدولارات المطبوعة من الحديقة الخلفية للراسمالية دول العالم الثاني و الثالث.

ان الصين تعد الان من اكبر مستوردي النفط العراقي. و يسيطر الجيش الامريكي على اهم المنابع النفطية في العراق و حقول الخشخاش في افغانستان و منابع النفط الليبي و النيجيري و غيرها و التي بواسطتها يستعيد اسياد الدولار سنداتهم من الصين و غيرها. فلم يعد طبع النقود كافيا لان كميات كبيرة منها تجمعت في الجانب المقابل و كان لا بد من ايجاد طرق لاستعادة هذه الدولارات و جمعها من الاسواق لكي تكمل الدائرة و لوقف انهيار الدولار. اذن فان فاتورة  الاستقرار النسبي لنظام طبع النقود الذي بدأ يتآكل و ينهار يدفعه سكان الضواحي الفقراء عبر عرق جبينهم احيانا, و عبر نحرهم و احراق اجسادهم بالمتفجرات و "الارهاب" و "الحرب الاهلية" كما يجري في افغانستان و العراق و ليبيا و نيجيريا

ان انتشار الفوضى في هذه البلدان تسهل عملية السطو على مواردها و هذه الشعوب تعيد بدمائها العافية الى الدولار. لذلك فاننا نرى كيف ان جميع الدول التي شملتها الديموقراطية الامريكية هي دول نفطية او ان لديها موارد ثمينة مثل الذهب و الماس و الحشيش و غيرها. و ان جميع هذه الدول تغرق في الحرب الاهلية و الاعمال "الارهابية". 

ان الخلافات بين روسيا و الولايات المتحدة حول اوكرانيا سببها تمرد روسيا على مواصلة سياسات امبراطورية الدولار بالاستحواذ على موارد العالم لوحدها. بالطبع ليس بسبب حزن روسيا على دماء الابرياء و لكن بسبب خسارتها لاسواقها لصالح استمرار اغراق العالم بالدولار و اليورو التي تعود بالمنافع على تلك الدول على حساب روسيا. لان روسيا نفسها تبيع نفطها و غازها مقابل نفس العملة المطبوعة من العدم. 




لقد كانت الامبراطوريات القديمة تقوم على الاسلوب نفسه. فكانت الامبراطورية الرومانية على سبيل المثال تجبي الضرائب من المدن او المقاطعات التي تحت سيطرتها. و كان الحكام بالوكالة في المقاطعات يجنون الضرائب من المزارعين فياخذون قسم منه و يرسلون القسم الاكبر منه الى الامبراطور. و هكذا كانت روما و غيرها من الامبراطوريات تنعم بالرخاء و عندما يزداد بذخ ارستقراطية روما و يواصل الامبراطور زيادة نفقات حروبه, كان يمول هذه النفقات بزيادة الضرائب فكانت المقاطعات تثور و تتمرد بسبب ذلك خصوصا في سنين القحط و العجاف. و هكذا كانت ثورات الاقاليم تتسبب في تدهور اوضاع الامبراطورية و زيادة حروبها الداخلية لاعادة الاستقرار, و في النهاية يظهر فاتح جديد و يضم الاقاليم اليه او تحدث مؤامرة في القصر و يخرج حاكم جديد يصلح الامور قليلا.. ما يجري في عالمنا الحالي لا يختلف عن السابق سوى من حيث المظهر. فالعملة الصعبة الدولار و من ثم اليورو هي وسيلة الامبراطورية الراسمالية العالمية لجباية الضرائب من العالم باسره. و الضرائب هذه تتوزع على الهرم الاقتصادي العالمي. فالطبقات الوسطى و الدنيا في العالمين الثاني و الثالث تدفع الضريبة لحكوماتها و لحكومات و بنوك و شركات امبراطورية الدولار في العالم الاول. و العالم الاول يوزع الترف المسروق من العبيد على سكانه بنفس الطريقة الهرمية بين مفقر يعيش على المعونات و بين اقلية مترفة تقضي ايامها في وولستريت و كازينوهات القمار و الفساد و تمول بها حروبها لمواصلة سلطتها هذه

ينبغي ان نؤكد هنا ان هذا الذي يجري ليس مؤامرة من الماسونية و المتنورين كما يحب البعض ان يسميها. و هو ليس صراع بين الشرق و الغرب, و نحن لا ندعو الى كراهية مئات الملايين من الناس الذين يعيشون تحت خط الفقر في قلب اوروبا و امريكا. كلا ليس هذا ما نقصده. 

المؤامرات و الماسونية المزعومة و غير ذلك هي طبيعة اللعبة الاقتصادية. فلو قضينا على جميع الماسونيين و المتآمرين دون تغيير طريقة الحياة على الارض فانه سرعان ما تظهر طبقة جديدة من المتنورين و المتآمرين. لان نظامنا الاقتصادي هو في هيكله و بناءه و طريقة عمله ينتج مثل هؤلاء. لا يختلف زعماء العالم الماسونيين عن اي تاجر محلي صغير يعمل بكل جهده و يتآمر على غيره و يستخدم جميع اشكال الرشوة و الخداع و الطرق الملتوية لكي يحصل على اكبر قدر من الارباح باي وسيلة كانت. عندما تتجمع الثروات لدى البعض فان اكثرهم ثراء يصبح اكثرهم سلطة و حذقا و قدرة على التلاعب بحياة الناس. لا يصعد الناس الى قمة الهرم قبل ان يتعلموا فن سحق الاخرين و التآمر عليهم. 


ما الذي بمقدورنا عمله و نحن سكان الضواحي الفقيرة لامبراطورية روما؟


ليست هنالك وصفة محددة لخروجنا من قبضة هذه المنظومة الاقتصادية. فالحكام باسم اسياد الدولار في دولنا هم حراس مطيعين للحضائر البشرية و لا يعرفون طريقة اخرى للحياة غير هذه مثلهم مثل جميع الناس. ان اقتصاد السوق هي عقيدة لا يريد ان يكفر بها احد لا الحكام و لا الجماهير في عالمنا. و الذين يكفرون بهذه العقيدة يتعرضون لسخرية اغلبية الناس حتى الفقراء و المعدمين الذين يعتقدون بان هذه هي سنة الحياة و قوانينها و هي كانت كذلك و ستبقى كذلك .. و لكن يبدو ان استغناء اقتصاد السوق عن الناس شيئا فشيئا عبر استخدام الالات بدلا من البشر سيدفع بالناس تدريجيا الى المزيد من الفقر والعشوائيات و فيما بعد ستتزايد اعداد العاطلين و تتدهور الامور يفقد الناس تدريجيا ارتباطهم باقتصاد السوق و تزيح آمالهم بقدرة هذه المنظومة على ضمان بقائهم البيولوجي. هذا سيدفع بالكثيرين الى محاولة ايجاد وسائل اخرى خارج اقتصاد السوق لتوفير حاجاتهم و هي ستدفع بالقسم الاكبر من الناس الى اعادة النظر في عقيدة اقتصاد السوق و العالم القائم على المال للبحث عن حلول اخرى خارج الصندوق. هذا اذا لم تندلع الحروب قبل ذلك لتاكل الاخضر و اليابس 

نحن ندعو في هذه المرحلة الى اليقظة و الى فهم ما يجري, و من ثم ان نعمل على دعم المشاريع التي تؤدي الى قدرة الناس على ضمان حياتهم بمعزل عن اقتصاد السوق عبر المشاريع الانتاجية المختلفة. و نامل ان تتحول تدريجيا فكرة تغيير النظام الاجتماعي الى الفكرة السائدة بين البشر في كل مكان. و لكي يتحقق التغيير علينا ان نتخلص اولا من عقيدة اقتصاد السوق



Comments