هل يعيش البشر في طاحونة النمل؟

هنالك نوع من النمل يسمى النمل العسكري أو الفيلقي بسبب طريقته في الغذاء والإنتقال, حيث تتنقل مجموعاته في أسراب مزدحمة حيث يصل عدد النمل في كل سرب حتى 200 ألف نملة. ويقوم هذا النوع من النمل بسلوك يعد واحده من أغرب الظواهر الطبيعية حيث يدور النمل احيانا حول نفسه في دوامة حتى يقع ويموت من الإنهاك, في ظاهرة يطلق عليها إسم طاحونة النمل أو دوامات الموت, و هذه الدوامات تظهر لمشاهدها للوهلة الأولى, كما لو إنها طقوس إنتحار!

السلوك الجماعي لدى البشر هو سلوك يشبه في الكثير من جوانبه سلوك النمل هذا, حيث اننا كائنات اجتماعية و نميل كثيرا الى الانصياع للجماعة لاداء طقوس مشتركة حتى اذا كانت هذه الطقوس تفضي الى موتنا او الى نتائج سيئة و مؤذية فاننا لا نضع سلوكنا في العادة موضع مسائلة و اختبار. نحن نجد صعوبة في ترك القطيع و التوقف قليلا للتامل حولنا و اذا ما كان هذا الذي نفعله يفضي الى نتائج ليست في صالحنا بل اننا نسير حيث يسير الجميع. هذا الامر يمكن رؤية تجلياته الواضحة مثلا في طريقة لبسنا و ادائنا للتحية على سبيل المثال و في الكثير من عاداتنا.  نحن نتشبه و نتعلم في العادة من اقراننا البشر الذين نعيش بينهم منذ الطفولة و نتدرب على الانصياع لما هو شائع و نعيد انتاج الماضي.

الامر يكون اكثر تعقيدا عندما نتحدث عن الافكار و القيم الاجتماعية التي نحملها, فهي الاخرى نتعلمها من البيئة التي نعيش فيها. و برغم الاختلاف الظاهري في مواقفنا الفكرية فانها في العادة تتشابه في جذورها و في ما هو مشترك بيننا على شكل عقد اجتماعي صارم التعاليم يبرمج ذهننا بقوة و يهذب تفكيرنا اليه باصابع خفية لا يمكننا الافلات منها. فالعمل و السوق و الفقر و الربح و الواجبات و طريقة الحياة عموما بكل تفاصيلها هي اشياء لا يختلف عليها البشر في العادة و تتمتع بنفس القدسية التي لدى النمل.  و عندما يقودنا سلوكنا الاجتماعي هذا الى مشاكل تتهدد حياتنا فاننا في العادة نستخدم طريقة النمل فلا نغير سلوكنا لانهاء المشكلة و اعادة ترتيب الامور لاصلاحها بل نواصل السير على الخطا ليس لسبب اخر فقط لان الجميع يفعل ذلك. نحن نرى في مشاكلنا وكانها افرازات طبيعية للحياة تفرضها علينا قوى خارجية و لا نراها كما هي في الواقع نتاجات سلوكنا نحن. فنواصل السير على اساليبنا القديمة و نفشل مرارا و تكرارا و ندور حول دوامة الموت بشكل ساخر حتى يصبح المجتمع باسره منهكا لان الحلقة التي ندور فيها مفرغة و لا توصلنا الى اي مكان اخر طالما ان الواحد منا يتبع الاخر دون تفكير مستقل.

لاجل الخروج من دوامات الموت التي نعيشها لا بد من يقظة و من رؤية البشر لهذه الدوامات و لابد لنا ان نخرج عن القطيع و نتوقف قليلا لتامل حياتنا من خارج الدوامة لنكتشف المخارج. عندما نخرج من طاحونة الموت النملية نكتشف سلوكنا العبثي و يكون بمقدورنا تغييره و سيكون علينا مساعدة الاخرين للخروج من هذا الانتحار الجماعي.


Comments