آليات طباعة النقود في نظامنا الاجتماعي و آثار ذلك على المجتمع

الجزء الاول: الضريبة التي لا يعرف عنها الناس
تعتبر النقود شريان الحياة في نظامنا الاجتماعي. و من لا يمتلك ما يكفي منها في عالمنا يتعرض للفقر المدقع و احيانا الى الموت جوعا او مرضا. و برغم ذلك فان معظم الناس ما يزالون لا يعرفون سوى القليل جدا عن النقود و كيف يتم طباعتها. يعتقد البعض بان هناك جهة دولية تراقب طباعة النقود لكل دولة، ولا تسمح هذه الجهة بأن تقوم الدولة بطباعة ما تريد من نقود،و يعتقد البعض الاخر ان طباعة النقود تتم على اساس ما تملكه الدولة من ذهب. او ان البنك الدولي هو من يقرر ذلك لكل دولة. و الكثير من هذا الكلام نسمعه احيانا حتى من اناس يفترض ان لديهم المام بالاقتصاد. و يبدو ان الجهل الواسع المنتشر حول النقود هو جهل مفتعل و مقصود. فحتى الطلبة الذين يدرسون الاقتصاد في العديد من الدول لا يتعرضون على دراسة النقود من حيث منشأها بل يدرسون تفاعلاتها مع الاقتصاد و يتم تجنب التعمق و شرح تفاصيل منشأ النقود بشكل واضح 

يعتقد اغلبية الناس ايضا ان الاقتصاد عبارة عن رياضيات و مصطلحات معقدة فيتجنبون التعمق فيه و يتركونه لاهل التخصص. في الحقيقة فان التعقيد الظاهري للاقتصاد الراسمالي يخفي وراءه مسخرة تافهة شديدة الغباء و الرياضيات و المصطلحات و التعقيدات التي فيها سببها سخافة هذا الاقتصاد لا اكثر. و لذلك فاننا ندعو الجميع الى متابعة شروحاتنا هنا لهذا الاقتصاد لان هذا ضروري لفهم الخدعة التي انطلت على الجميع و لفهم لماذا تبدو حياتنا كما هي عليها. فلا تترددوا ابدا في دراسة الاقتصاد الراسمالي لانه اقتصاد قائم على سخافة ستضحكون منها عندما تتعمقون فيها و تفهمون آلياتها, التي هي في الواقع من البساطة انكم سوف لن تصدقونها 

النقود في الماضي كانت نقود حقيقية مثل: الليرة العثمانية المجيدية، والتي كانت متداولة في سوريا والعراق قبل الحرب العالمية الأولى، وكذلك الجنيه الإنجليزي الذهبي (يساوي قيمه الذهب المسكوك منه) والروبية الهندية الفضية ...الخ. هذه النقود كانت عبارة عن معادن مسكوكة كانت تحمل قيمة في ذاتها. اما النقود في عصرنا الحالي  فهي لا تحمل قيمة في داخلها بل الثقة في حصول الناس على اشياء مقابل هذه العملات. و اكثر من 97% من العملات الصعبة تحولت الان الى ارقام موجودة في الحواسيب في العالم الافتراضي و هي نقود رقمية. 

جميع النقود المطبوعة من اوراق او معادن او تلك التي في الحواسيب تعتمد قيمتها على ثقة الناس اولا و من ثم على كمية ما يعرض منها في الاسواق. ساعطيكم مثالا مبسطا تجريديا لفهم ذلك. لنفترض ان الدولة المصرية قد تأسست اليوم و قررت ان تعمل عملة خاصة بها هو الجنيه. و لنفترض ان الدولة قد طبعت مليار جنيه للتداول. فيصبح سعر رغيف الخبز جنيه واحد مثلا. اذا قامت الحكومة المصرية بعد سنة بطبع مليار جنيه اخر ليصبح مجموع النقود المتداولة في الاسواق مليارين فان سعر رغيف الخبز يصبح 2 جنيه. اي ان طبع النقود يؤدي الى ارتفاع الاسعار و انخفاض قيمة العملة اي ان الارقام تتغير فقط. و اذا كان العامل المصري يحصل على 100 جنيه شهريا من قبل و ارتفع دخله بعد ذلك نتيجة للطبع الى 200 جنيه فانه سيحصل على نفس كمية الاشياء التي كان يحصل عليها في السابق اما اذا بقى راتبه 100 جنيه كما هو فهو في الواقع يكون قد خسر نصف راتبه دون ان يعلم بالامر. و بالطبع لا يجري هذا بالضبط بهذه الدقة فيما يتعلق بالارقام في الواقع و لكننا فقط نحاول تبسيط الامر لعمل فكرة عامة. ان طبع النقود اذا لم يؤدي الى زيادة المنتجات الاستهلاكية و غيرها. فانه يؤدي الى الغلاء و لا يضيف الى الاقتصاد اي شئ. لان الاشياء التي يحتاجها الناس و يستهلكونها هي التي تحتوي على القيمة و ليس النقود بحد ذاتها. 

يعتقد الناس في الكثير من الدول العربية والعالم الثالث انهم لا يدفعون ضرائب. و لكن في الحقيقة فان الانظمة في الدول العربية تقوم بتمويل برامج الدعم و المعونات و المساعدات و تدفع رواتب موظفيها و جميع نفقاتها الاخرى العسكرية و السياسية من الاموال التي تستحصلها جزئيا من عائداتها من الاستثمارات الحكومية عبر انتاج الخامات كالنفط و غيرها في القطاع الحكومي أو تجني الضرائب من السكان و من الشركات الاهلية او عن طريق الضريبة المخفية الا وهي طباعة النقود 

الضرائب التي تحصل عليها الدولة من شركات القطاع الخاص هي قليلة في العادة بسبب الفساد حيث يتهرب اصحاب الشركات بآلآف الطرق منها. و الشركات تضيف نفقاتها من الضرائب الى اسعار المنتجات فيدفعها ذوي الدخل الثابت المستهلكين في نهاية المطاف. الشكل الاساسي من الضرائب التي تؤخذ من المجتمع هي عبارة عن اعتماد طبع النقود. عندما تطبع الدولة النقود او تقوم البنوك بخلقها من لا شئ فان ما يقومون به في الواقع يؤدي الى تدهور قيمة النقود أو التضخم و هو الاسم "العلمي" لكلمة الغلاء الذي يفهمه و يستخدمه الناس. اي ان الراتب الشهري يكفي لشراء اشياء اقل من السابق. اي ان الراتب الفعلي اصبح اقل برغم ان الارقام لم تتغير. و هذه النقود الجديدة التي طبعتها الدولة تاتي من محفظة المواطنين مباشرة. الذي يحصل هو ان الطبقات الاكثر ثروة في المجتمع يزدادون ثراء و الطبقات الوسطى من اصحاب المشاريع الصغيرة يدفعون قسما من هذه النفقات و يصبحون اكثر فقرا و يحولون الجزء الباقي الى ذوي الدخل المحدود الذين هم تقريبا يدفعون الفاتورة الكبرى. المعدمون يحصلون على ما يكفي لبقائهم او لا يحصلون على اي شئ و يسحقون نهائيا.
 
وباعتبار ان الدولار عملة للتجارة العالمية فان الولايات المتحدة بدورها تفرض ضريبة اخرى على جميع سكان الارض عندما تخلق الدولار من العدم. و نحن ندفع في الواقع جزء من نفقات الدولة الامرميكية في العالم  منها نفقات عربدتها العسكرية التي هدفها الاصلي استمرار سكان الارض على دفع الضرائب للحكومة الامريكية من خلال استمرار استخدامهم للدولار. اي اننا ندفع ضريبة مضاعفة مرة للامبراطور و مرة للحاكم المحلي

ادخل الى جوجل و اكتب عبارة "طبع النقود بدون غطاء" في البلد الذي انت مهتم بالمعرفة عنه و ستقرا ارقاما مخيفة الى اعمال الطبع الجارية في جميع الدول العربية تقريبا. 

الجزء الثاني:  ما هي اليات طبع النقود اذن؟ ...


ان طبع النقود و اضافة نقود جديدة الى النقود القديمة لا تؤدي بالضرورة الى الغلاء في كل الظروف. فاذا ازدادت المنتوجات و هو ما يسمى بالنمو فان طبع النقود بنفس كمية النمو و بنفس النسبة لا يؤدي الى زيادة الاسعار. و لكن الذي يجري في الواقع هو ان الدول تخلق النقود من لا شئ بطباعتها عندما يتباطأ او يتوقف النمو و تصاب الاسواق بالكساد, الهدف من ذلك ان تؤدي هذه العملية الى تحريك الاسواق. فعندما يكون لدى الناس نقود فانهم يشترون, و عندما يشتري الناس البضائع فان هذا يؤدي الى زيادة الاستثمار و هو بدوره يؤدي الى زيادة الوظائف, وهكذا يحصل النمو و تخرج الاسواق من الكساد. 

و لكن ليس هذا هو ما يجري دائما, في الواقع في اغلبية دول العالم و خصوصا في الدول الفقيرة و منها معظم الدول العربية غير النفطية. لا تتم طباعة النقود فيها وفق معايير اقتصادية لها علاقة بالاسواق بل وفق نفقات الدولة. فهذه الدول تعاني من كساد اقتصادي بسبب تباطؤ الاقتصاد العالمي من جهة, و كساد اسواقها الداخلية بسبب تدهور القدرة الشرائية. و نفقات الدولة و اجراءات الدعم الحكومي ضخمة جدا و هي تتزايد باستمرار بسبب تزايد فقر السكان و حاجتهم الى الدعم الحكومي الذي دونه تزداد البطالة و تنتشر المجاعات و تؤدي الى فوضى سياسية. فساد المؤسسات الحكومية و عدم كفائتها هو ايضا جانب من مشكلة تضخم النفقات. و لاجل تغطية العجز في الموازنة الحكومية جراء كل ذلك يتم طبع النقود. فهذه الحكومات هي في حالة افلاس و نفقاتها تفوق وارداتها و وسيلتها الوحيدة للخروج من الازمة هو طبع النقود.

ان طبع النقود لا يؤدي الى تحريك الاسواق اذا تجاوز نسبة النمو الاقتصادي بكثير. بل يؤدي الى التضخم و ارتفاع الاسعار فينشأ بذلك ما يسمى الدوامات المفرغة او التنازلية. و هي كما يلي:


تباطؤ الاقتصاد - يؤدي الى انخفاض واردات الدولة و عجز في دفع النفقات يتم تغطيته عبر طبع النقود -  طبع النقود يؤدي الى التضخم اي الغلاء - التضخم يؤدي الى المزيد من تباطؤ الاقتصاد بسبب عدم قدرة الناس على الشراء - يؤدي الى المزيد من طبع النقود ... وهكذا تستمر المسيرة الحلزونية المتجهة نحو الاسفل.  و تدور دوامة التدهور التنازلية حتى تصل الى نقطة تكون فيها الاوضاع غير محتملة فتنتشر الاضطرابات السياسية و تتواصل الى حين ينهار المجتمع باسره اقتصاديا و سياسيا.


هذه الدوامة ليست دوامة عربية او دوامة دول العالم الثالث فقط بل هي دوامة عالمية. و لكن دول العملة الصعبة و التي لديها انظمة مصرفية اكثر استقرارا نسبيا لا تعاني بنفس القدر الذي تعانيه دول العالم الثالث في الوقت الحالي. فالحكومات هناك تلجأ الى سياسات التقشف لتخفيض النفقات الحكومية بدلا من الافراط في طبع النقود. و لكن سياسات التقشف هي الاخرى تؤدي الى الدوامة نفسها و لو بطريقة مغايرة.


هذه هي ليست المرة الاولى التي تحصل فيها مثل هذه الازمات, ففي الماضي كانت الراسمالية تخرج من الكساد عبر ظهور اسواق جديدة او عبر سياسات طبع النقود عندما كانت في بدايتها و لم يختفي مفعولها السحري او عبر اشعال حرب عالمية. و لكنها هذه المرة هي المرة الاولى التي تحصل فيها الازمة و قد فتحت الراسمالية كوكب الارض باسره, و استنفذت السحر من طباعة النقود, و اخذت التكنولوجيا الانتاجية و الروبوت و الانترنيت تسرح المزيد من الناس يوميا, و الحرب العالمية يعتبر انتحار جماعي و امر جنوني مستبعد بسبب الترسانة النووية. جميع الحلول للخروج من الازمة قد نفذت و العالم باسره يجلس في قطار مسرع  يسير نحو جدار من قرميد و السياسيين يناقشون من يحق له الجلوس في الدرجة الاولى في القطار.


الراسمالية ستواصل ازمتها و ستقوم بتصريفها هنا و هناك لهذه الدولة او تلك عبر نهبها لحين انهيار منظومتها الاقتصادية تماما.

نحن لا نرى ان هنالك حلول اخرى غير التغيير الاجتماعي و حتى يقتنع اغلبية البشر بذلك فاننا سنعاني و ستزداد معاناتنا مع مرور كل يوم جديد.


Comments