اسطورة الطبقة الوسطى في العالم الراسمالي

بقلم: Kaife Amin

الجزء الاول
اليات صعود و انهيار دولة الرفاه الديموقراطية في الغرب
 
تمركز الراسمال في يد حفنة من الشركات و البنوك هي احدى مظاهر النظام الراسمالي. ففي سعي البشر لجمع الثروات و ضمان مواقعهم الاقتصادية في نظام قائم على المنافسة الشرسة تتجمع الثروات لدى البعض كنتيجة طبيعية لآليات النظام. فمن ينجح في تكوين ثروة بمقدوره توظيفها لزيادة ثروته, او كما يقال المال يأتي بالمال. بالنهاية يتشكل هرم اجتماعي على اساس كمية الثروات التي في حوزة كل شركة او شخص او اسرة.
 
عندما يسعى الناس الى الحصول على حصة في الانتاج لاشباع حاجاتهم فانهم يعملون بالاجرة. عملهم سيعطي مردودا لصاحب العمل ايضا. منذ الخمسينات و الستينات من القرن الماضي دخلنا في عصر الانتاج الالي الضخم الذي يعتمد استخدام الروبوت و الحواسيب و العقول الالكترونية في الانتاج و تم الاستغناء تدريجيا عن اعداد كبيرة من البشر. فكانت هنالك ازمة خانقة, الانتاج يتضاعف باستمرار و القدرة الشرائية تتدهور باستمرار بسبب تسريح العمال. و باستخدام حسابات رياضية بسيطة كان يمكن رؤية ان استمرار ذلك كان سيؤدي الى توقف الدورة الراسمالية و معها الانتاج. استخدمت الراسمالية الورقة الاخير التي كانت في يدها, و ذلك عبر عزل النقود عن الغطاء الذهبي و تحرير البنوك لانتاج النقود عبر نظام التسليف الجزئي الذي اقره البنك الفيدرالي الامريكي 1971 و تحول الى نظام مصرفي عالمي فيما بعد. و بهذا اصبح لدى البنوك القدرة على تسليف الافراد و الشركات و الدول في عملية تسمى بخلق المال من لا شئ. 
"Create money out of thin air" 
يستطيع من يريد البحث في الموضوع ان ينسخ هذه الجملة في اليوتوب او الجوجل ليحصل على شرح عنه. 

ادت عملية خلق النقود من لا شئ الى انتعاش اقتصادي في السبعينات شهدته البشرية بشكل عام و كان سببه تضخم قطاع جديد هو قطاع الخدمات. و ظهرت ملايين الاعمال غير الضرورية مثل قطاع الدعاية و المبيعات و توسعت الاسواق ليصبح السوق و التسوق اسلوبا لحياة الناس. اصيب الجميع بحمى التسوق. فالنقود الجديدة التي تضخ في الاسواق على شكل قروض بدات تؤجج الاسواق و تدفع الى انتاج المزيد من البضائع و الخدمات طالما كان الناس لديهم النقود للشراء. و طالما كان الجميع يتسوقون فان فرصا جديدة للعمل اخذت تظهر و صار لدى الكثير من الناس محلات تجارية و شركات دعاية و مطابع يعمل فيها ملايين الموظفين. فكان كل شئ يبدو و كانه يسير على افضل مما يرام.
هذه العملية ادت الى انتعاش طبقة كانت في طريقها الى الضمور و هي الطبقة الوسطى. فالطبقة الوسطى لم تكن في الحقيقة سوى هؤلاء البشر اصحاب المشاريع الصغيرة في قطاع الخدمات و المشاريع الانتاجية الصغيرة و الموظفين و العمال الذين كانوا يعملون لديهم او لدى الشركات الكبرى. فهم في الحقيقة الطبقة التي كانت تستطيع استلاف النقود و شراء البضائع و دعم دورة الانتاج الراسمالية. هذه الطبقة استلفت النقود ايضا لشراء المنازل و كلما استلفت اكثر ارتفعت اسعار العقارات و ادى الى ظهور ما يعرف الان بفقاعة العقارات. و كلما زادت اسعار العقارات كلما زاد قدرة البنوك على التسليف و ضخ الاموال في الاسواق. 

الطبقة التي تسمى بالطبقة الوسطى كانت المسؤولة عن دفع الضرائب و انتعاش الاسواق و استمرار الدورة الانتاجية و بالتالي فان الاقتصاد الراسمالي برمته يقف على اكتافها. هذه الطبقة في الحقيقة لم تكن طبقة و لكنها كانت ظاهرة اوجدتها خدعة بنكية ساخرة تم خلقها من الديون. فالطبقات الوسطى ما عدى فئات قليلة جدا منها لا تملك سوى الديون التي تتراكم عليها باستمرار و لكنها رغم ذلك اصبحت رمزا لمفخرة انصار النظام و سببا في بقائه. 
هذه الطبقة بدات تخسر مواقعها الان يوما بعد يوم و ينحدر منها الناس الى الطبقة الثالثة التي لا يجري ذكرها و هي الطبقات المسحوقة و المغمورة تماما. هذه الفئات تعيش في الدول الاوربية و بعض الدول المتقدمة مثل كندا استراليا امريكا و اليابان على نظام المعونات الاجتماعية التي يتم تمويلها من الضرائب التي تدفعها الطبقة الوسطى. في دول العالم الثالث يعيش هؤلاء في العشوائيات او في غرف حقيرة في الاحياء الشعبية حيث تتقاسم عدد من الاسر غرف ضيقة للحياة فيها. بسبب غياب انظمة ضريبية و ضمانات فيها. 

ان الطبقة الوسطى كانت اسطورة من صنع الخيال و صدقها الجميع. انها لم تكن موجودة سوى في نظام الديون الذي اقيم في عالم افتراضي. الان و حيث بدأ النظام المصرفي في تدهوره و انهى قدرته السحرية على حل المشاكل بدأت هذه الطبقة الوسطى تختفي تدريجيا من الوجود يوما بعد يوم. و هذا يلقي بضلاله على اقتصاديات جميع دول الرفاه التي اصبحت تمارس سياسات التقشف لحماية عملاتها من الانهيار الامر الذي يؤدي الى توقف دورة الانتاج و ينذر بكارثة اقتصادية وشيكة. 
و تظهر دعوات يائسة هنا و هناك في العالم الغربي لانقاذ الطبقة الوسطى و دعمها لانها العمود الفقري لهذا النظام. و لكن الرياضيات لا تصغي الى رغبات السياسيين. و نظامنا قائم على رياضيات خاطئة و تدهور و ضمور هذه الطبقة لا مفر منه. هذا هو سبب انتشار شعار نحن ال 99% في اوروبا و امريكا. حيث ان الصورة بدات تتجلى حول حقيقة ان الثروات في الواقع كانت دائما في يد اقل بكثير من 1% من الناس اما البقية فهم لا يملكون سوى ديونهم او قوة عملهم ليبيعوها في اسواق لم تعد بحاجة الى العمل البشري. 
الهرم الاقتصادي الراسمالي بدأ ينهار من وسطه ليترك النخبة التي في القمة في مواجهة مباشرة مع 99% من المجتمعات البشرية. و انهيار اسطورة الطبقة الوسطى هو بداية لانهيار النظام الراسمالي.
-------------------------------------------------------------------------------------------------------
الجزء الثاني
اليات صعود و انهيار دولة الاستبداد و الفقر في العالم الثالث

انتعشت و تطورت الراسمالية في الدول النامية و من بينها الدول العربية, بالدرجة الاولى من خلال الراسمال القادم من الدول الصناعية الاكثر تطورا. الدول النامية دخلت العالم الراسمالي بفضل بضاعتين رئيسيتينهما, الخامات الرخيصة و الايدي العاملة الرخيصة. و تنافست الانظمة السياسية على ايجاد بيئة مؤاتية لجذب الرساميل اليها. و هذه البيئة تمثلت في ايجاد عمالة رخيصة تتمتع بالقدر الادنى من الحقوق مع تحقيق استقرار سياسي نسبي و هو ما يتطلب وجود انظمة استبدادية. و في حين كانت اوروبا تعمل على انعاش الطبقة الوسطى عبر نظام الديون لتحريك اسواقها فان الدول النامية كانت تعمل على انعاش اسواق العمالة الرخيصة للحصول على حصتها من العملة الصعبة التي تضخ في الاسواق العالمية. الافقار و الاستبداد في اسيا و افريقيا كان هو الوجه الثاني لنفس ظاهرة الرفاه و الديموقراطية في الغرب. 
الصناعات في الدول النامية انتعشت بطريقة مشوهة جراء ذلك فهي لم تتوجه الى الاسواق الداخلية و المستهلكين المحليين بالدرجة الاولى بل ان اغلبها اصبح مكيفا للتصدير الى الاسواق الغربية, حيث تستهلك البضائع بنهم. و حيث توجد العملة الصعبة.
ان الانظمة السياسية في الغرب كانت تتمتع باستقرار سياسي بسبب انتعاش الاقتصاد القائم على الديون و وجود مساندة اجتماعية لها من الطبقة الوسطى التي كانت تزدهر. هذه كانت ارضية خصبة لتقديم نموذج للراسمالية تتمتع بتاييد شعبي فيما بدى وكان الراسمالية قد نجحت في تحقيق الرفاهية و الحرية لاغلبية افراد المجتمع لتكون بذلك النموذج الافضل الذي يجب ان يحتذي به الجميع. و لكن الوجه الاخر لهذه الرفاهية و مموله كان عبارة عن لافقار الذي كان يجري في العالم الثالث. الفقر و الاستبداد في اسيا و افريقيا كان يمول الرفاهية و الديموقراطية في الغرب و هو الوجه الاخر لنفس العملة. الصين الهند الفلبين, بنغلاديش, اندنوسيا, البرازيل, تركيا, مصر و غيرها هي نماذج مختلفة لاسواق العمالة الرخيصة في العالم الراسمالي. النموذج الافضل للدول التي اضفي عليها تسميات مثل النمور الاسيوية الصاعدة و غير ذلك هي الانظمة التي نجحت في توفير بنية تحتية للاستثمار الى جانب توفير ايدي عاملة تعمل بارخص الاثمان تعيش في اقسى الظروف الممكنة دون ان تبدي اية مقاومة. عندها يسيل لعاب المستثمرين للمجئ اليها لاقامة صناعات سيتم تصدير منتجاتها الى العالم الغربي المتطور لكي تستهلك هناك. 

امريكا و اوروبا كانت منذ نهاية الستينات تدفع اوراق ملونة تعرف بالعملة الصعبة و تبيع الديون الى اسيا و افريقيا لتحصل على منتجاتها و خاماتها و تقوم بتصريفها في العالم الصناعي الذي أنتعش بالديون و يستهلك بنهم كل ما يقع عليه ايديه. و في حين كانت الرساميل تتهافت على اسيا الفقيرة و تغادر مواطنها الاصلية اصبح العالم الثالث باسره منتجا و الغرب الصناعي مستهلكا. برغم ذلك استمر الغرب غنيا باسواقه و الشرق غنيا بفقره. فالشرق كان فقيرا عندما كانت البضائع تنتج في الغرب و اصبح اكثر فقرا عندما صارت البضائع تنتج في الشرق. فهي الحديقة الخلفية للراسمالية تستخدم كمعسكرات للاشغال الشاقة و رمي النفايات و تهريب الاموال و التملص من الضرائب و بيع الاسلحة و اشعال الحروب و جميع الاعمال القذرة التي كانت تجري في اوروبا في السابق جائت مع الرساميل الى الشرق. و ضل العالم الغربي مزدهرا بفضل انظمة التسليف و الديون.

ان الفقر و الاستبداد في اسيا و افريقيا و بالتالي في العالم العربي و كما قلنا كان ضروريا لتمويل الغرب برفاهيتها و ديموقراطيتها, و هاتين الظاهرتين ليستا منعزلتين بل وجهين لظاهرة واحدة. و هذه الظاهرة هي عبارة عن المارد النقدي الذي خرج من قمقمه بفضل السياسات المصرفية منذ بداية السبعينات و اغراق العالم بالديون من قبل بنوك العملة الصعبة. الازمة المصرفية عام 2008 كانت العلامات الاولى لبداية الانهيار المصرفي تلتها ازمة اليورو و ازمة الديون الامركية و هذه جميعها مؤشرات على انتهاء المفعول السحري لسياسات الديون المصرفية التي تشرف على انهيارها. 
الاقتصاد الراسمالي الان عبارة عن اقتصاد عالمي موحد. و اي انهيار يحدث في الغرب سيكون له تأثير قطع الدومينو و يؤدي الى انفراط الاقتصاد العالمي باسره و دخوله فوضى لا يمكن تصور عواقبها. انهيار الغرب سيؤدي الى انهيار الشرق و نحن نجلس جميعنا على ظهر مركب واحد في طريقه الى الغرق. اصبح الان غاية في الاهمية ان نعلم بانه لم تعد هنالك مشاكل محلية كما لم تعد هنالك حلول محلية. و فوق كل هذا و ذاك لم تعد هنالك حلول سياسية. 

الرياضيات التي يسير عليها نظامنا الاجتماعي تقودنا الى النتائج السابقة نفسها و ستنتهي بنا الى فوضى عالمية و حمامات دماء. لايمكن تغيير ذلك بعد الان بالشعارات و التمنيات. و اذا كان لا بد لنا ان نقوم بثورة و نتوقع منها تحسين احوالنا, فانها ينبغي ان تكون ثورة لتغيير المعادلة الخاطئة في عالمنا. لا بد ان تكون الثورة لتغيير النظام الاجتماعي. اي شئ اقل من هذا سيؤدي الى اعادة انتاج الماضي باشكال مختلفة.
Comments