هل ان التكنولوجيا الصناعية المتطوّرة ممكنة بدون الرأسمالية الصناعيّة؟ (2)

ضمن سلسلة مقالات تقوم الصفحة العربية تقديم ردود على الانتقادات التي توجه لطروحات الحركة حول الاقتصاد العالمي القائم على الموارد. نسترعي انتباه اصدقائنا الى متابعة ذلك بما يسلط الضوء على جوانب من طروحاتنا من وجهة نظر منتقدينا.

هذه هي احدى الانتقادات الاخرى لطروحاتنا نرجو الاطلاع عليها و قراءتها بتمعن:


"من دون هذه البنية الهرمية القمعيّة التي تتيح لمجموعة مغلقة أن تعتدي على الأرض وعلى الفقراء من دون محاسبة أو اعتراض، لكان انتاج حاسوب محمول أمر مستحيل، أو كان يمكن ليكون سعره في السوق عشرات آلاف الدولارات. معظم المنتجات الصناعية حولنا، من الحاسوب إلى الثياب التي نرتديها، يتم انتاجها بنفس الطريقة ولم تكن لتكن موجودة من دون القمع والظلم والفقر. افتراض أن التكنولوجيا الصناعية والمعلوماتية المتطوّرة ممكنة من دون الرأسمالية الصناعيّة هو برأينا المتواضع اعتقاد خاطىء وهو الخطأ الأوّل الذي تقع فيه حركة زايتجايست وكل المراهنين على التكنولوجيا.

الخطأ الثاني هو عدم إدراك زايتجايست أن الحضارة الصناعية والمعلوماتيّة هي بأكملها غير ممكنة من دون مصدر رخيص وهائل للطاقة هو النفط، وواقع الانحدار الطاقوي الذي نعيش في ظلّه يعني أن المستقبل سيكون أكثر شبهاً بالماضي، لا بالمستقبل الذي نتخيّله في أفلام الخيال العلمي. وهنا زايتجايست تقع في الخطأ القاتل بالافتراض بأنه يمكن إنشاء حضارة تكنولوجية متطوّرة من دون نفط – وهذا الأمر مستحيل كما يعلم كل من درس أزمة الطاقة المعاصرة"


الناقد يقول باختصار بان التكنولوجيا المتطورة هي ثمرة الاستغلال الراسمالي و عندما تذهب الراسمالية و يزول الاستغلال تذهب التكنولوجيا معها و لاجل التخلص من الراسمالية فاننا ينبغي ان نتخلص من تكنولوجيتها ايضا و هذا يعني عمليا ان نعود لنصبح مزارعين بدائيين.


طائفة الآميش لا تؤمن بالتغيير فهم يؤمنون بالالتزام بالعيش كما جاء بالإنجيل الذي بين أيديهم بحذافيره. و طائفة الآميش لا تؤمن بالكهرباء واستخدامها ولا بالسيارات، وهم يستخدمون عوضا عنها الأحصنة أو العربات التي تجرها الأحصنة. لكن كاتب هذه الكلمات هو شخص يدعي بانه لاسلطوي و ليس أميش.


فاذا كانت التكنولوجيا الصناعية غير ممكنة دون وجود الراسمالية و اذا كان من غير الممكن تجنب استخدام النفط مع التكنولوجيا فان ازالة النظام الراسمالي يعني ازالة التكنولوجيا الصناعية عن الحضارة البشرية. حتى الزراعة في يومنا تستخدم تكنولوجيا متطورة و ازالة ذلك يعني ان نعود الى الثور و المحراث و هو لا يذكر باي شئ اخر سوى بتعاليم الانجيل على الطريقة التي يفهمها الأميش.

و بالنسبة الينا لا مانع لدينا ان يعيش البشر بطريقة بدائية اذا كان هذا ممكنا و مفيدا, و لكن العودة الى الزراعة اليدوية سيؤدي الى انخفاض حاد في مردود العمل. علينا ان نتذكر باننا لا نتحدث عن كيفية تنظيم قبيلة صغيرة بل سبعة مليارات انسان. ان انخفاض مردود العمل البشري سيتسبب في تفاقم الندرة و مشاكل في حصول الناس على حاجاتهم مما سيؤدي الى استمرار مشاكلنا.

اما بالنسبة للطاقة فانه علميا و حسب ما يؤكد عليه المتخصصين هنالك الان طاقة نظيفة تكفي الاف السنين دون مشاكل و لا علاقة لازمة الطاقة و النفط سوى بازمة النظام الراسمالي. كان بمقدورنا منذ اكثر من 20 سنة الاستغناء عن النفط. و جهل الناقد حول ارتباط استخدامنا الحالي للنفط ببقاء سيادة الدولار و ارتباط كل هذا بكونه ضروريا لمنع انهيار الدولار و معه اقتصاد السوق لا يصبح امرا عسيرا على الفهم و لا يكون مستغربا عندما يجهل الناقد معلومات قديمة مثل وجود الطاقة النظيفة بديلة للنفط, أو ان يجهل بان التكنولوجيا هي ثمرة فكر و عمل البشر و لا يرتبط وجوده بوجود الاستغلال بالضرورة.



مشكلة الناقد هنا هو ان الصناعات الضخمة تحتاج الى ادارات مركزية و هذه الفكرة لا يوجد متسع لها لدى مثقف يستوحي افكاره من تعاليم كتب من اواسط القرن الثامن عشر و لا يريد ان يقبل باننا في عام 2014 . فعلينا اعادة تنظيم العالم لكي تتناسب مع ما جاء في كتبه القديمة, بدلا من ان نكتب ما يتناسب مع عالمنا الحالي.


ان اقامة مجتمع الوفرة و الغاء النظام القائم على النقود سوف يجعل من الممكن و الضروري ادارة الارض مركزيا عبر شبكة واسعة من الحواسيب و المجسات و مراكز مراقبة البيانات دون ان تكون هنالك مخاوف من تحول هذه المركزية الى خطر جديد يهدد حرية البشر. عندما لا تكون هنالك جيوش و نقود و ملكية لن تكون هنالك وسائل لاخضاع البشر و السيطرة عليهم. و نحن حقا نفهم معاناة الناقد بان العالم قد اصبح اكثر تعقيدا بسبب التطور التكنولوجي و الحلول القديمة لم تعد تنفع هذا العالم. و لكن هذا لا يعني ان نعود بالعالم الى الوراء لنجعلها تتناسب مع الحلول القديمة بل يعني اننا ينبغي ان نجد حلول جديدة تتناسب مع مشاكل هذا العالم المعقد. في الحقيقة لا يعبر هذا الطرح الفج عن راي جميع اللا سلطويين و لكنه يعبر عن مشكلة عامة يحتاج اللا سلطويين الذين يتمتعون بالحكمة ان يجيبوا عليه لانها تشكل مشكلة اساسية في طروحاتهم وهي رفض المركزية استنادا الى عالم قائم على الندرة و عدم اعادة قراءة الواقع الجديد و هو ان من الممكن ادارة الارض مركزيا في عالم ليس فيه نقود قائم على الوفرة.
نحن نؤكد على ان جميع مدن و مناطق الارض يمكن ان تدير نفسها ذاتيا و تحقق اكتفائها الذاتي و من ثم ترتبط مع بعضها لادارة شؤون الكوكب.
Comments