لماذا زايتجايست ليست حركة تغييرية؟

ملاحظات حول مقالة مدونة نينار

لماذا زايتجايست ليست حركة تغييرية


لا بد لي ان اعترف بان طوني صغبيني كاتب المقالة يتمتع باسلوب رفيع في الكتابة لكي يستطيع ان يكتب مقالة مليئة بالهراء و برغم ذلك يعرضها باسلوب تبدو للوهلة الاولى لمن يقرأها بانه يطرح انتقادات جدية و صميمية للحركة. و لكن يحتاج المرء الى القليل من الدقة و التمعن ليكتشف بعد حين بانه لم يقرأ سوى مقالة مبنية على ثلاثة اعمدة اساسية

الاولى هي تشويه الحقائق بقصد او غير قصد و الثانية هي الجهل المطبق بتوجهات الحركة و طروحاتها و الثالثة هي تصورات و افكار خاطئة يحملها صاحب المقال عن العالم.


ساخذكم بجولة بين بعض ما جاء في المقال ارجو ان تركزوا معي عليه


"المجتمع المثالي الذي تتخيّله حركة زايتجايست، هو مجتمع ينظّمه ويحكمه حاسوب كلّي القدرة والمعرفة يقوم بتوزيع خيرات الأرض على البشر بشكل عادل في عالم من دون مال"


المجتمع ينظمه الحواسيب و لكن لا احد تحدث عن مجتمع يحكمه حاسوب.


"تتولى فيه الآلات مهام تنظيم المجتمع البشري واتخاذ القرارات المصيرية فيه – أو تقوم بهذا الدور مجموعة من العلماء بانتظار وصول الحاسوب الكلي القدرة إلى السلطة."


الجميع يعلم بان السلطة بحاجة الى جيوش و سجون و نقود. العلماء بدون جيش و شرطة وسجون و نقود لن يكون لديهم وسيلة لفرض سلطة؟ و من ثم ما هي القرارات المصيرية التي ستتخذها الحواسيب مثلا؟ هل سيصدر الحاسوب مثلا قرارا يمنع انتاج القمح مثلا و من ثم يموت نصف البشر من الجوع جراء قرار الحاسوب الغاشم هذا. لا يوجد اي حديث عن سلطة غريندايزر هذه في اي من طروحاتنا. اذا كانت هنالك سلطة حواسيب فهذا يعني ان هنالك سلطة غاسلات الصحون الكهربائية ايضا, لان هذه مجرد ادوات. هنالك حاسوب داخل سيارتك, يخبرك عن السرعة و عن العطلات.. فهل هذا يعني ان لهذا الحاسوب سلطة؟ لا بد ان يعلم الانسان متى يتحول الكلام الى هراء.


"غياب المال والسوق يعني أنه هنالك جهة مركزية عالمية تنظّم التبادلات الاقتصادية والانتاج والتوزيع بين مختلف الأطراف، وهذه الجهة بالنسبة للحركة هي الحاسوب (الأخ) الأكبر."


هنا يتباكى حضرة اللاسلطوي على نيتنا الخطيرة في "الغاء المال و السوق" لان هذا يؤدي الى ظهور جهة مركزية عالمية تنظم التبادلات. ففي عالمه اللاسلطوي سيبقى هنالك مال و سوق. و الذين سيطبعون المال و يقررون توزيعها على الناس لا يتحولون الى جهة مركزية!


"المشكلة أن الحركة لم تخبرنا أي معادلة رياضية سيستعملها الحاسوب حين يقرّر أنه يجب قتل أو سجن شخص ما؟ ومن هو الذي سيكتب هذه المعادلة ويبرمجها في الحاسوب؟"


قتل او سجن شخص ما استنادا الى قرار يصدره حاسوب؟ ما هذا الهذر الذي يفقأ العين. انه يتجاوز هنا خيالات هوليود. هل سمعتم بحاسوب يحكم و يقرر قتل الناس؟ والناس ينفذون اوامره.


"زايتجايست لا تؤمن بالسياسة التقليدية من انتخابات وتظاهرات وما شابه (ونحن نشترك في ذلك)، وهي لا تؤمن بالثورات العنيفة واللاعنفية على السواء، وهي لا تؤمن بإقامة البدائل بشكل مباشر على الأرض لأن ما تقترحه يتطلب تطبيقه على كامل الكوكب في وقت واحد، ولا تؤمن بالمواجهة المباشرة مع السلطة. ماذا يبقى إذاً من أساليب للنشاط؟ لا يبقى سوى الكلام"


حركة زايتجايست ترفض ان تطرح نفسها كحزب قائد للثورة, و لكنها تعول على الثورة الاجتماعية, و تعتمد اللاعنف و تؤكد على ضرورة تنظيم الجماهير لنفسها في الميادين لتحقيق التغييرات الكبرى. و قد شارك نشطائنا في تظاهرات حركة الاحتلال اوكيوباي وولستريت. و جاك فريسكو و بيتر جوزيف شاركوا و تحدثوا في ساحاتها. حتى فكرتنا على اللاعنف لا ترفض حق الدفاع عن النفس بكل الوسائل في حال التعرض الى عنف مفرط يهدد حياة الناس, و لكننا نحن كحركة لا ندعو الى العنف و لا نقوم بالاعداد له.


الحركة لا تؤمن بمواجهة السلطة كحركة و لكنها تدرك بان الجماهير المنظمة في الميادين ربما ستضطر الى مواجهة السلطة. نحن كحركة ضد الترويج لتغيير الحكومات باعتبار ان ذلك لن يغير شيء. لذلك فاننا نركز جهودنا حول تغيير المنظومة الاجتماعية و جمع الناس حولها. و اذا قررت السلطة مواجهتنا لمنع تحقيق ذلك فان هذا سيكون اختيارها هي لا اختيارنا نحن. نحن نتمنى ان تستسلم السلطة لارادة الجماهير و لكننا لا نتوقع انها ستفعل, ليس على الاقل في بداية الازمة و لكن شرائح كبيرة منها ستنظم الى الناس و ترفض مواجهتهم في مراحل لاحقة.


حول مقولة نعومي تشومسكي

"أنا لا اعتبر أن حركة زايتجايست هي حركة ناشطة. بالعكس، هي تبدو بالنسبة لي حركة سلبيّة مضلّلة بعناوين جذّابة، لكنها تنهار عند الدراسة. منها هي فكرة أنه يجب علينا “وقف دعم السيستيم” و”عدم محاربته”، لأن الهدف يجب أن يكون السعي وراء التغيير وتجاوزه فحسب."


هذا الكلام جاء في بريد الكتروني من نعومي تشومسكي في معرض رده على احد نشطاء الحركة بعد سنة واحدة من انطلاقها , و قد اكد في نفس الرسالة بانه لم يطلع بالكامل على طروحات الحركة و لكنه نقل الفكرة المقتضبة التي كانت لديه حول حركة زايتجايست في حينها. لم تعول الحركة ابدا على "وقف دعم السيستيم و عدم محاربته" كطريقة لتغييره. هذه الفكرة مبنية على المقترحات التي يطرحها بيتر جوزيف في نهاية فيلم زايتجايست الملحق. و بالطبع فان وقف دعم السيستيم هو عمل ايجابي و لكنها مقترحات لما يمكننا القيام به بشكل فوري فقط. و الحركة لا تعتبر ذلك كافيا لانهاء هذه المنظومة باي شكل. تماما كما ندعو الى وقف السلوك الاستهلاكي كاجراء فوري للتقليل من التلوث برغم اننا نعلم ان ذلك لا يكفي بدون تغيير منظومة السوق. نحن لا نرى ان نعومي تشومسكي يحمل السلاح لمحاربة المنظومة الراسمالية و هو نفسه لا يقوم بشيء اخر اكثر مما تقوم به الحركة الا وهو نشر الوعي. اين هي المفارز المسلحة لنعومي و اين هي منظماته المقاتلة؟ لا شيء سوى محاضرات و كلام عن المستقبل. بل على العكس فان تشومسكي لم يقم بتنظيم منظمة عالمية تساعد مئات الالاف للانخراط في اعمال التوعية و هو يعمل لوحده تقريبا.


"مسائل مثل الحدود البيئية والسكّانية على الموارد التي تقف في وجه التقدّم اللانهائي هي غير موجودة في طرح الحركة ولو كانت تصرّ على رمي كلمة “الاستدامة” بين كلّ بضعة أسطر."


هنا يواصل الافتراءات عن الحركة و يتخذ من جهله بطروحاتنا منطلقا لانتقاده. لا يمضي يوم تقريبا لا تنشر الحركة فلما او مقالا او شيء عن هذا الموضوع منذ اليوم الاول لانطلاق الحركة.


في العبارات التالية يبدأ كاتب المقال باظهار ضحالة فكرية تندى لها الجبين اقرأ بتمعن هذا الكلام


"ما تفشل حركة زايتجايست في فهمه أن التكنولوجيا ليست أداة قائمة بحد ذاتها، بل هي أداة تنبثق من، وتعكس البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الذي تتواجد فيه. فإن كان المجتمع متساوياً وغير هرمي، التكنولوجيا ستكون شبكة صيد أو رمح يتعلّم كل شخص راشد في القبيلة أن يصنعها بيداه وتخوّله تأمين قوته من دون العودة إلى أي سلطة اقتصادية أو سياسية أخرى. وإن كان المجتمع يقوم على مركزيّة زراعية هرمية فالتكنولوجيا ستكون محراث وإهراءات حبوب وعربات يجرّها الخيل تستوجب تقسيم عمل وسلطات سياسية واقتصادية وجيوش من العبيد يعملون في الحقول لتأمين قوت الطبقات العليا، وإن كان المجتمع يقوم على مركزيّة صناعية معلوماتية فستكون التكنولوجيا طائرات وحواسيب وبرامج معلوماتية تستوجب شبكات هرميّة تمتّد على كافة أطراف الكوكب وتجعل من المستحيل على معظم سكّان الكوكب أن يأمنّوا قوتهم بأنفسهم من دون الاعتماد على هرميّة سياسية-اقتصاديّة معقّدة."


الكاتب يربط بين التكنلوجيا و المجتمع الطبقي بطريقة مضحكة,

فاستنادا الى ما يقوله و اذا اردنا ترجمة هذا الكلام الى افعال, اي اذا اردنا بناء منظومة اجتماعية عادلة انطلاقا من هذه الاعتبارات فاننا فان الطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي بالعودة الى شبكة الصيد أو الرمح. فالمحراث يؤدي الى الاقطاعية و الصناعة تؤدي الى الرأسمالية بالضرورة. و عندما يقوم طوني صبغيني بثورته و يحرر دولة مثل مصر فانه سيدعو سكانها 80 مليون مصري الى تدمير جميع الالات و الذهاب الى البحر و رمي شباكهم لصيد السمك و صنع رماحهم لصيد لا اعرف ماذا.

اشعر بالاشمئزاز حتى على كوني بحاجة الى الجلوس هنا لانتقاد هذا الهذيان الفكري.



"انتاج لابتوب بسعر منخفض مثلاً ليس ممكناً من دون بنية هرمية قاتلة تتألف من التالي:

- حكومات مسلّحة تستطيع الدخول إلى أية أرض وطرد سكانها وتعدين ما تريده منها من معادن وموارد تحتاجها لصناعة الحواسيب، بغضّ النظر عن الضرر الإيكولوجي وحاجات السكان الأصليين وظروف عمل عمّال المناجم."


انتاج لابتوب لاتاحته مجانيا لمن يريد لا يحتاج سوى الى الموارد, لسنا بحاجة الى حكومات و قوات مسلحة سوى لانتاج لابتوب رخيص بهدف بيعه و جني الارباح. لا علاقة لانتاج اللابتوب بالجيوش بل بالاسواق و الارباح. عندما نقيم منظومة قائمة على الاتاحة الحرة المجانية لن يكون هنالك لاحد اي مصلحة في قتل الناس لاجل انتاج لابتوب.


"الخطأ الثاني هو عدم إدراك زايتجايست أن الحضارة الصناعية والمعلوماتيّة هي بأكملها غير ممكنة من دون مصدر رخيص وهائل للطاقة هو النفط، وواقع الانحدار الطاقوي الذي نعيش في ظلّه يعني أن المستقبل سيكون أكثر شبهاً بالماضي، لا بالمستقبل الذي نتخيّله في أفلام الخيال العلمي. وهنا زايتجايست تقع في الخطأ القاتل بالافتراض بأنه يمكن إنشاء حضارة تكنولوجية متطوّرة من دون نفط – وهذا الأمر مستحيل كما يعلم كل من درس أزمة الطاقة المعاصرة."


الحضارة الصناعية غير ممكنة بدون مصدر رخيص للطاقة. و غير ممكنة من دون نفط. هذه التعابير ترتبط بالمنظومة الراسمالية و ليس بالاقتصاد القائم على الموارد. لن تكون هنالك طاقة رخيصة و طاقة مرتفعة الثمن. في عالم قائم على الوفرة و الاتاحة المجانية نختار الطاقة النظيفة لان عامل التكاليف و الثمن سوف لن يكون قائما. استخدام النفط في عالمنا الحالي مرتبط بتكاليفه المنخفضة و لان الاقتصاد قائم على الارباح و المنافسة فانه ليس من مصلحة المنتجين استخدام طاقة مكلفة تضعف قدرتهم على المنافسة. مرة اخرى يتحدث عن عدم قدرتنا على اقامة حضارة صناعية بدون نفط ليؤكد من جديد على ضرورة عودتنا الى الرماح و شباك الصيد لاجل اقامة عالم افضل.

و فيما يتعلق باستخدام الرماح الحجرية و شباك الصيد ففي الماضي كان عدد البشر لا يتجاوز بضعة ملايين. فاذا اردت اليوم توفير شباك و رماح لسبعة مليارات انسان فانك بحاجة الى مصانع ضخمة و طاقة هائلة و جبال من الصخور. و الرماح بحاجة الى حيوانات برية لصيدها حتى تكون ذات معنى.


"لكن أسوأ المشاكل التي تطرحها الحركة على الإطلاق هو أن النتيجة الوحيدة لعملها هي تحييد عدد كبير من الشبّان الراغبين بالتغيير وهدر جهودهم في عمل لا نتيجة له، وتدجين أسلوب المواجهة مع السلطات إلى أقصى حدّ ممكن."



الكاتب ينتمي الى حركة عمرها 165 سنة و بعد اكثر من قرن و نصف تعيش هذه الحركة على هامش المجتمع بدون اي تاثير, تعاني من عزلة و من عجز كامل في التاثير, و بالتاكيد فان دعوة الناس الى العودة للرماح و شباك الصيد ليست مقنعة لاحد و هذا يفسر بالطبع سبب هذه العزلة.

و برغم ان الراسمالية بلغت قمة ازمتها و وحشيتها فان هذا المناضل الثوري جدا لا يجد وسيلة للشهرة و التعريف بنفسه سوى بانتقاد حركة عمرها خمسة سنوات ليعبر بمرارة عن قلقه في قدرة هذه الحركة على تدجين الناس و منعهم من مواجهة السلطة. هو يعتقد حقا بانه في مواجهة مع السلطة, هذا المقاتل الدونكيشوتي يتهيأ له بالفعل بانه يحارب و يقاتل السلطة كلما كتب بعض السطور من فضاءات غرفته و مكتبه. انه لامر يثير السخرية و الشفقة في ان واحد.


سنكتفي بهذا القدر و نقول

ان حركة زايتجايست تتبنى المنهج العلمي في التفكير الذي يسترشد بالمنطق, فليتقدم السيد كاتب المقالة و ليحدثنا عن البديل المنطقي الذي يطرحه و ما هي تصوراته هو عن شكل العالم الذي يتحقق فيه العدالة. فالبشر بحاجة الى تنظيم اجتماعي لكي ينظموا به علاقاتهم و مجتمعاتهم لكي يتسنى للجميع الحصول على حاجاته المادية للبقاء و للحياة برفاهية و دون معاناة. فاذا كانت فكرته منطقية و مقنعة فاننا سنتبناها منذ الان.









Comments