الاليات الخفية لحروب انقاذ الدولار

البنك الاحتياطي الامريكي الذي يصدر الدولار ليس بنكا حكوميا كما يعتقد معظم الناس و انما عبارة عن مؤسسة مستقلة تهيمن عليها اكبر البنوك الامريكية المعروفة. الحكومة الامريكية لا تملك البنك الاحتياطي الامريكي بل ان العكس هو الصحيح فان هذا الاتحاد البنكي هو الذي يمتلك الحكومة الامريكية عمليا, حيث لا يصل الى الحكم اي حزب او رئيس لا يتمتع بالدعم الكامل من قبل هذه الطغمة البنكية. الدولار عملة تصدرها بنوك تملكها طغمة من المصرفيين الكبار و ليست عملة حكومية امريكية كما يتهيأ للبعض 

الطغمة المالية التي تتحكم بالعالم عبر الدولار و تمتلك اغلبية المصارف و كل شبكات الانترنيت و الشبكات الالكترونية البنكية تستطيع ان تطبع الدولار في الحسابات كما تشاء. تصور اذا كانت لديك القدرة على كتابة اي رقم في حسابك الخاص ليصبح هذا الرقم رصيدك الفعلي, هل ستكون بحاجة الى نهب ذهب جيرانك؟ كلا بالتاكيد. انت بمقدورك شراء ما تريده من الذهب بالارقام التي تطبعها في حسابك الخاص. هل سيكون لديك اهتمام بالسوق و الربح؟ كلا لانك تحصل على ما تريد من ثروات بالنقر باصابعك على لوحة مفاتيح لتطبع على شاشة صغيرة ما تريد من النقود. 

حسنا لماذا اذن يكون من مصلحة هذه العصابة البنكية نهب دول مثل العراق و افغانستان مثلا للاستيلاء على مواردهم؟ و اذا لم يكن الجشع و جمع الثروات هو ما يدفعهم الى عمل ذلك فما هي دوافعهم؟

البنوك و الطغمة النقدية التي تدير كوكبنا لا تسعى الى الحروب بسبب جشعها او رغبة منها بزيادة ثروتها بالدرجة الاولى. هذا التحليل الكلاسيكي الذي كان صحيحا في الماضي لم يعد صحيحا منذ عقود طويلة. هذه الطغمة المالية لم يعد لديها ارتباط مباشر باقتصاد السوق و قوانينها لانها ببساطة تمتلك العالم و تطبع نقودا من لا شئ. ان هذه البنوك اصبحت مسؤولة عن بقاء و استمرار اقتصاد السوق الذي يعد الطريقة الوحيدة التي يعرفها هؤلاء للحياة على سطح كوكب الارض. فاذا كان لا بد للعالم ان يكون راسماليا, و اذا لم تكن هنالك طريقة اخرى لتنظيم المجتمع فان كل ما يقوم به هؤلاء ليس سببه سلوك انحرافي و سادية او صهيونية اجرامية مرضية او ما شابه ولكنها اجراءات اضطرارية اجبارية لا بد لهم من القيام بها لابقاء اقتصاد السوق و حمايته من الانهيار الكامل.
ان الاتمتة و تطور وسائل الانتاج و تضخمه دفع الاقتصاديين الراسماليين الى تشريع القوانين البنكية التي نعمل بها اليوم حيث تم فصل الدولار و العملات الاخرى عن الذهب و اصبح بمقدور البنوك اقراض الاموال مئات المرات اكثر من احتياطياتها و هذا يعني عمليا لمن لا يريد الدخول في تفاصيل معقدة انتاج النقود من لا شئ تقريبا. هذه الخطوة كانت اجبارية و اضطرارية و لم تاتي جراء ضعف اخلاقي او سياسة خاطئة. و قد اصبحت الراسمالية مدمنة حتى الموت على مواصلة خلق النقود من لا شئ لان التوقف عن ذلك سيؤدي الى الانهيار الاقتصادي. 

عندما تواصل طبع النقود دون ان يؤدي ذلك الى النمو و زيادة فرص العمل و حجم الانتاج ستتدهور قيمتها الى الصفر و هي العملية التي تسمى انهيار العملة. التضخم او غلاء الاسعار او فقاعة اسعار العقارات هي تسميات او مظاهر اخرى لشئ واحد هو تدهور قيمة العملة.

 هذه المعادلة البسيطة هي التي حيرت جميع الاقتصاديين في العالم الراسمالي

الاستمرار في ضخ الدولار = انهيار قيمة الدولار = انهيار الاسواق

التوقف عن ضخ الدولار = انهيار الاسواق = انهيار قيمة الدولار


حسنا نحن قلنا ان هذه البنوك لم تعد مهتمة بالارباح لانها تمتلك العالم تقريبا و لانها تنهب العالم عبر خلق الدولار من العدم, هم لا يلعبون داخل النظام الراسمالي بل يمتلكون و يديرون هذا النظام و من واجبهم العمل على استمراره باي ثمن. كيف يمكنهم انقاذ الدولارمن السقوط اذن؟


ينبغي ايجاد طريقة لاستعادة الدولارات من الاسواق و التداول و ضمان استمرار استخدام الدولار كعملة للتجارة العالمية.

و لتحقيق ذلك يجب ايجاد طريقة لبيع بضائع مقابل الدولار للصين و الهند و غيرها لاستعادة الدولارات التي تجمعت لديهم منعا لغرق الاسواق بها. لكي تكمل الدائرة و يكون بوسعهم الاستمرار في طبعها دون ان يؤدي ذلك الى انهيارها ولو مؤقتا. و لان الولايات المتحدة لم تعد تنتج ما يكفي من البضائع بما يتوافق مع حجم ما تضخها من الدولارات في الاسواق العالمية - و هو ما يسمى بعجز الميزان التجاري - فانه كان عليها ان تحافظ على قيمة الدولار بالطريقة التالية:


زعزعة الاستقرار السياسي في جميع الدول التي تمتلك خامات و معادن عبر ضرب هذه الدول عسكريا او عبر "الجيل الرابع من الحروب" بهدف تفكيكها و تحويلها الى ما يسمى في اروقة المخابرات الامريكية بالدولة الفاشلة الهدف من زعزعة الاستقرار هو: 


اولا: التحكم بجميع اسواق الخامات و النفط عبر السيطرة على الدول او الكيانات التي تمتلك هذه الخامات لاجبار جميع دول العالم على الاستمرار في التعامل بالدولار كعملة للتجارة العالمية. مما يرفع الطلب على الدولار في الاسواق العالمية و لا يترك فرصة لروسيا و الصين او اي دولة اخرى من التملص من التزام الدولار في معاملاتهم.


ثانيا: نهب كميات كبيرة من الثروات النفطية و الخامات المعدنية او شرائها من امراء الحرب الجدد في هذه الدول باثمان زهيدة و اعادة بيعها لدول مثل الصين لاستعادة مخزونات هذه الدول من الدولارات.


ثالثا: تحريك اسواق السلاح بسبب انتشار عدم الاستقرار و السيطرة على اسواق المخدرات والبناء و النفط الادوية التي تؤمن لوحدها ما يقارب 3-5 تريليونات دولار سنويا.



كان على طغمة الدولارايجاد ضحايا سيتم نهب ثرواتهم المادية لتصريف ازمتها باستخدامها في استرجاع الدولارات المتداولة من الاسواق بهدف "احراقها" اي انهاء وجودها في التداول و اعادتها الى البنوك الاصلية لمنع تدهور قيمتها. فالراسمالية بمقدورها ان تعيش و تبقى برغم انهيار دول مثل افغنستان و نايجيريا و العراق و ليبيا و ليبيريا و سوريا و ايران و غيرها لكنها لا تستطيع الاستمرار اذا انهار الدولار و اليورو ودولها.


الصين تعيش اقتصاديا على مبيعاتها للعالم الغربي و انهيار الدولار سيؤدي الى انهيار اقتصادياتها هي الاخرى, لذلك فهي لا تجد ما يكفي من الشجاعة للوقوف بوجه هذه اللعبة برغم عدم ارتياحها للامر. اما روسيا فان اعتمادها على اسواقها الداخلية و مبيعاتها من النفط و الغاز يجعلها اقل تاثرا بذلك و هي اذ تتخوف من العواقب الغير معروفة لانهيار الدولار و لكنها تتخوف ايضا من هذه الضواري الجائعة التي تعمل نهبا في اسواقها و في انظمة حليفة لها و لا تعرف الى اي مدى يمكن ان تسير بهم الامور. و هي لذلك تريد ان تكون شريكة في عمليات النهب هذه او انها ستحاول منعهم. و هذا هو جوهر الصراع الروسي الامريكي.


اذن فان الحروب التي تقودها الطغمة البنكية بواسطة الجيش الامريكي هدفها انقاذ الدولار والنظام الراسمالي من الانهيار المحتوم و ذلك بطريقة عبر ايجاد غطاء مادي لهذه العملة يتم نهبها لصالح عملة يتم طبعها بدون غطاء لادارة عجلة الانتاج الراسمالي. هذه هي طريقتهم لتصريف الازمة من بلدانهم الى الدول الاخرى. و الطغمة البنكية تفعل ذلك لانها لا تجد طريقة اخرى للمحافظة على النظام الراسمالي من الوقوع في انهيار اجتماعي عالمي شامل. هم فقط لا يعرفون طريقة اخرى للحياة غير الراسمالية و ليست لديهم حلول اخرى للخروج من المأزق الذي يعيشونه, و من يريد بقاء نظامنا الاجتماعي الحالي عليه تحمل عواقب هذا البقاء. لان الراسمالية تعيش ازمة لا خروج منها, و ما يفعله هؤلاء هو القرار على من سيذبح اولا لتأجيل انفجار الازمة و قد اختارو هذه الشعوب المنهوبة و لكن الدور سياتي على غيرهم تدريجيا.


الطريقة الوحيدة لتجنب الكوارث البشرية التي ستحصل في المستقبل هي يقظة البشر لتغيير نظامنا الاجتماعي عبر اعادة تصميم عالمنا. الراسمالية التي تبدو وكانها عملاق كبير و جبار في مركز قوتها و ثقلها لا تتجاوز بضعة مئات من رجال الاعمال الذين يملكون ارقام الكترونية طبعوها في حساباتهم و اوراق نقدية عديمة القيمة و هم لا يحكمون هذا العالم سوى بالاعتراف و الثقة التي نمنحها نحن لهذه الارقام الوهمية. انهم اقوياء فقط بمقدار اعتقادنا نحن بقوتهم و اذكياء فقط بمقدار جهلنا نحن بحقيقتهم. 

عندما ترفض البشرية هذا النظام و تلتف حول المطالبة باقامة نظام اجتماعي جديد سيتبخر جبروتهم و تتلاشى قوتهم وتتفكك مؤسسات نظامهم حتى يكون من الصعب علينا تصديق ذلك. ان الطغمة البنكية الجبارة التي تدير هذا العالم عبارة عن ارقام الكترونية في شبكة كومبيوترية و شبح موجود في اوهامنا نحن وحسب. عندما نتخلص من اوهامنا سيزول هذا الشبح ... 
Comments