لقاء مع صحيفة المدن اللبنانية

السؤال الأول:

هل لك أن تقدم للقارئ موجزاً للتعريف عن حركة زايتجايست وأهدافها، وحجم نشاطها وفروعها في البلدان العربية، وموقعك الشخصي ضمن الحركة؟


حركة زايتجايست "روح العصر" هي حركة عالمية تهدف الى التعريف بالاقتصاد العالمي القائم على الموارد و نشر المعلومات حوله لبناء وعي اجتماعي عن النظام الاجتماعي الجديد الذي نامل له ان يتحول الى مطلب اجتماعي يعمل جميع سكان الارض معا على تحقيقه لاجل تغيير طريقة حياة البشر على سطح كوكب الارض بشكل جذري.  وذلك عن طريق اعادة تصميم العالم وبناء حضارة جديدة تضع في اولوياتها ازالة الحدود السياسية البغيضة و تحقيق اعلى مستويات المعيشة لكل سكان الكوكب واعادة اعمار كوكبنا معماريا وبيئيا واجتماعيا وتلبيه احتياج البشر عبر الاستخدام العقلاني للتكنولوجيا لتحقيق الوفرة بما يؤدي الى انهاء حاجتنا الى النظام النقدي و الى استخدام النقود و جميع اشكال نظم التبادل و الديون المعروفة. نحن ندعو الى ربط الانتاج بالحاجات بدلا من الاسواق و الارباح و اعلان جميع موارد الارض ارثا مشتركا لجميع سكان كوكب الارض. بهذه الطريقة فقط يمكننا اقامة حضارة انسانية مستدامة تعتني بكل انسان و بجميع اشكال الحياة على الارض. و نرى ان هذا التغيير ضروري اذا اردنا تجنب انهيار حضارتنا في الحروب و زوالها بسبب منظومة لم تعد تعمل و تعيش مرحلة انحطاطها.


لدى الحركة قرابة قرابة 1500 فريق ينتشر ما يقارب 80 دولة و تترجم وثائقها الى اكثر من 40 لغة. الحركة بدات نشاطاتها في العالم العربي متاخرة بعض الشئ و لكن اذا سارت الامور كما هي عليها الان فاننا سنلحق بالركب, لدينا حاليا قرابة عشرة مجموعات ناشطة على الارض في مختلف الدول الناطقة بالعربية من كوكبنا. نحن نطمح ان يكون للحركة فريق ليس في كل مدينة و حسب بل في كل حي و جامعة و معمل و شارع.

الحركة ليست حزب سياسي و لا يتجاوز نشاطاتها نشر طريقة في التفكير ليست قائمة على الاراء بل على المنهجية العلمية في التفكير.

موقعي في الحركة هو انني ناشط, الحركة ليس لها قادة و لا تعتمد التراتبية و الهرمية. الجميع نشطاء و يقومون بما يستطيعون لنشر قيم العالم الذي ندعو اليه.



السؤال الثاني:

تدعو زايتجايست إلى الاقتصاد القائم على الموارد كبديل عن الرأسمالية واقتصاد السوق، فما هو الاقتصاد القائم على الموارد، وما هي وسيلتكم لتحقيقه؟


الاقتصاد العالمي القائم على الموارد عبارة عن استنتاجات منطقية علمية ليست قائمة على الاراء الشخصية بل على تطبيق المنهجية العلمية على الحياة الاجتماعية. فمثلا قانون الجاذبية هي حقيقة علمية كانت موجودة دائما حتى قبل معرفتنا بها. و سواء آمنت بالجاذبية او لم تؤمن بها فانك تخضع لقوانينها. هذه القوانين هي قوانين الطبيعة التي علينا تكييف حياتنا على اساسها. فعلى سبيل المثال اذا قطعنا جميع الاشجار لتحقيق الارباح فاننا ندمر انفسنا. لا يمكننا اقامة حضارة على هذا الاساس. الحلول التي نطرحها يجب ان تضع في نظر الاعتبار موارد الارض و رفاهية سكانها و التوازن البيئي و الحياتي الان و على المدى البعيد اذا اردنا ان نعيش حياة مستدامة و مزدهرة. هذا الموضوع لا علاقة له برايي انا او رايك انت. انه صحيح مثل قانون الجاذبية و لا ينبغي اقتراح حلول قائمة على الاراء.


جميع البشر بغض النظر عن ارائهم بحاجة الى هواء نقي و مياه صالحة للشرب و غذاء صحي و مساكن مريحة و تعليم لائق و رعاية صحية. لدينا العقول و الموارد و التكنولوجيا لتوفيرها لسكان الارض قاطبة, و لم يعد من المنطقي ان يدعي البعض امتلاكه للموارد و التكنولوجيا و المنتوجات التي نحن بحاجة اليها جميعا للبقاء.


الاقتصاد العالمي القائم على الموارد و قوانين الطبيعة هي عبارة عن اجوبة منطقية علمية لكيفية تنظيم الحياة على الارض اذا اخذنا بنظر الاعتبار اننا نريد رفع مستوى معيشة جميع سكان الارض و اقامة حياة مستدامة اقتصاديا و بيئيا لنا و للاجيال القادمة. هنالك حلول علمية و تكنولوجية لجميع مشاكلنا اذا قمنا الغاء المنظومة القائمة على الاسواق و الارباح و النقود و اعادة تصميم العالم على اساس تحقيق الوفرة و اتاحة الموارد.

يمكننا ان نلخص الفكرة في ازالة الحدود بين البشر و بالولاء لكوكب الارض و لجميع اشكال الحياة عليها, و اعلان الارض و ما عليها ارثا مشتركا لجميع البشر, و تسخير التكنولوجيا لرفع مستوى جميع سكانها, و تحقيق الوفرة و الاتاحة الحرة و الغاء المنظومة النقدية و جميع اشكال التبادل و نظم الاستعباد. اعادة اعمار الارض حضاريا و بيئيا. بناء المدن على اساس الاكتفاء الذاتي و الادارة الذاتية و ربط هذه الادارات ببعضها لادارة الكوكب و استخدام المنهجية العلمية للتوصل الى القرارات.

نرجو لمن يريد معرفة المزيد عن النظام الاجتماعي الجديد الذي ندعو اليه ان يتعمقوا في ابحاث الحركة من خلال وثائقياتنا, حيث انني لا استطيع التوسع هنا في الحديث لانني ساكون بحاجة الى كتابة مئات السطور. جميع ابحاثنا الاساسية موجودة في موقع الحركة باللغة العربية.

www.zeitgeistarabic.com



السؤال الثالث:

كيف تنظرون لموقع الاقتصاديات العربية ضمن منظومة الرأسمالية العالمية حالياً، وهل تملك الاقتصاديات العربية إمكانات الانتقال لاقتصاد الموارد الذي يبدو أنه يعتمد على التطور التكنولوجي بالدرجة الأولى؟


المنظومة المهيمنة على عالمنا هي منظومة اقتصاد السوق الراسمالية, ما نسميه نحن العولمة ليس شئ اخر غير دخول البشر الى العالم الاستهلاكي المبني على الديون و سيطرة البنوك و تحول العالم الى سوق واحدة بلا حدود. الرساميل من كل مكان تذهب الى حيث توجد ايدي عاملة رخيصة و استقرار. و الدول تتنافس على ايجاد مناخ جيد للاستثمار وهو ما يعني ايجاد عبيد مهذبين يعملون تحت اقسى الشروط الممكنة بابخس الاثمان دون اعتراض و مشاكل. هذا هو المكان النموذجي للاستثمار وهذه هي منظومتنا الحالية. العالم العربي بشكل عام فشل حتى الان في تحقيق مناخ من هذا النوع بسبب الحروب القومية و الاستبداد و الفساد و غياب الاستقرار و غيرها. اما و قد دخلت الراسمالية في ازمة عامة في كل مكان فان الوقت يكون متاخرا لاعادة تاهيل هذه الدول لتشجيع الاستثمارات كما حصل في اسيا. لذلك فان الانظمة العربية تتخبط في ذيل المنظومة الراسمالية و تعاني من تشوه و ضعف في الكفاءة و يعاني سكانها بشكل استثنائي بسبب ذلك.


اما عن القدرات التكنولوجية فان هنالك فكرة سائدة في منطقتنا تقول باننا لسنا متطورين تكنولوجيا؟


تتوفر في البلدان العربية جميع التقنيات الاساسية الموجودة في الغرب و كوننا لا ننتج السيارات و المكائن مثلا مرتبط بآليات اقتصاد السوق و بتقسيم الاسواق العالمية و عدم  توفر الرساميل و المنافسة و الاسعار و التكاليف و غير ذلك. على سبيل المثال, اذا قررت اي دولة عربية صناعة سيارة الان فانها تمتلك ما يكفي من الخبرات و الامكانات لعمل ذلك لكنها لا تفعل لانه لا يوجد احد يريد الاستثمار في بضاعة لا يمكن بيعها بحكم المنافسة الموجودة. اذا ابعدت النقود و الارباح عن المعادلة ستجد ان الامكانات موجودة من الناحية العملية. عموما هذه لن تكون مشكلة لاجل التغيير الذي ندعو له لان التغيير ينبغي ان يكون عالميا و التكنولوجيا الموجودة في اي مكان هي ملك لكل البشر و هي نتاج عمل و جهد بشري. لقد تعلمنا استخدام النار في افريقيا و الزراعة في اسيا و الصناعة في اوروبا. هذه هي حضارتنا نحن.


السؤال الرابع:

قدمت الحركة توصيفاً لأزمة الاقتصاد الروسي الحالية بأنها تعبير عن حرب مضاربات مافيات الدولار ومافيات الروبل، فما المقصود بذلك، وهل ستتمكن روسيا برأيكم من الخروج من أزمتها، أم أن الأزمة الحالية تنذر بمخاطر متصاعدة على مستوى العالم ككل؟


الازمة الحالية هي من تداعيات الازمة العامة للراسمالية. المنظومة الراسمالية قائمة على دورة الانتاج و الاستهلاك و الارباح. و الازمة الحالية سببها ارتفاع الطاقات الانتاجية بسبب التكنولوجيا و تدهور القدرة الشرائية لنفس الاسباب اي التكنولوجيا, حيث ترتفع الانتاجية و يتم تسريح الناس. فلا يملك الناس النقود لشراء المنتجات و يصبح لدينا كساد. نتيجة لذلك تم فصل النقود عن الغطاء الذهبي و منح البنوك صلاحية خلق النقود من لا شئ على شكل ديون منذ عام 1971. فاصبحت هنالك سيولة لدى الناس لشراء البضائع. النقود المجانية هذه تسببت في الثمانينات في انتعاش اقتصادي عالمي و دخولنا العالم الاستهلاكي القائم على الديون و لكن الامر بلغ نهايته منذ نهاية القرن الماضي. حيث ان الديون في العالم تجاوزت الان 60 تريليون دولار و خلق النقود من العدم لم يعد يؤدي الى خلق وظائف جديدة و يتدهور الاستهلاك برغم ذلك الامر الذي يمكن رؤيته في تراجع النمو و الناتج الوطني, و عندما يفشل خلق النقود في زيادة النمو, تتدهور قيمة النقود و يزداد التضخم. الدولار الذي قبل به الروس و الصينيين و غيرهم كعملة للتجارة العالمية اخذت تفقد قيمتها باستمرار بسبب مواصلة الولايات المتحدة ضخها في الاسواق. الامر الذي بدا يزعج الصين و روسيا و الهند و غيرها و دفعهم الى التهديد بالخروج عن قاعدة الدولار. في الوقت نفسه اعملت الولايات المتحدة سياسات النهب العلنية للدول النفطية لدعم الدولار و منع انهياره مما اغضب الروس بسبب خسارتهم لحلفائهم التجاريين مثل العراق و ليبيا و سوريا و كانت ايران في قائمة النهب بعد سوريا الامر الذي اشعل الصراع بين الدولتين. و كما ترى فانه لم يعد هنالك متسع من المكان للجميع على ظهر سفينة تشرف على الغرق و الدول الكبرى تركل بعضها و كل منها تريد البقاء على حساب الاخر. و هذا الامر خطير جدا بحكم ما لديها من ترسانات نووية. لا يستطيع احدا ان يتنبأ بنتيجة هذه الصراعات, و لكن ما هو مؤكد ان الصراعات ستتواصل و تشتد خطورة كلما استفحلت الازمة. انا شخصيا اتوقع انهيار اقتصاد روسيا و ايران مما سيدفع الى انتشار المزيد من الفاشية الدينية و القومية, انها نفس الاجواء التي انتشرت فيها الفاشية في المانيا قبيل الحرب العالمية الثانية. و نحن نسير للاسف باتجاه ذلك بكل تاكيد اذا لم تظهر حركة عالمية تدعو الى تغيير المنظومة الراسمالية.


السؤال الخامس:

ما هو موقفكم من الانتفاضات العربية التي حدثت خلال السنوات الأخيرة، فهل ترونها تعبيراً عن فشل التنمية وانتشار الفقر والبطالة بين الشباب العرب، لا سيما أن انتقادات قد وجهت لحركتكم لكونها تطرح بديل غير واقعي بعناوين جذابة تدعو الناس للسلبية من خلال تشجيعكم للتغير دون الثورة؟


العديد من الناس يحاكمون الانتفاضات العربية الى حد ربطها بمؤامرات دولية. و لا يوجد اجحاف اكثر من هذا بحق ملايين البشر الذين علقوا امالهم بان يقوموا بثورة للتحرر من الانظمة الفاسدة التي جثمت على صدور الناس باسم القومية و الوطنية و الدين لعقود طويلة. انتفاضات "الربيع العربي" كانت من تداعيات الازمة العالمية و التضخم الذي اعقب ازمة ليمان براذر 2008 و استفحال البطالة الذي اخذ يسحق حياة الملايين من الناس. و لكن لماذا تحول الربيع الى خريف و بدلا من تحسين الاوضاع اصبحت اوضاعنا اسوأ؟ السبب في ذلك ان الجماهير خرجت لانها كانت غاضبة و مستاءة و لم يكن لديها هدف واضح. فاصبحت فريسة للذهنية السياسية و الحلول السياسية و الاحزاب السياسية التي تقاسمت هذه الجموع و قسمتهم لصالح اجندتها السياسية التي لا علاقة لها باسباب الثورة اصلا. هذه الاوضاع منحت ارضية خصبة للدول العظمى للتدخل و التلاعب بالجماهير عبر شراء ولاءات هذه الاحزاب التي هي في الحقيقة قوى فاسدة و لا تستطيع ان لا تكون فاسدة و هي لا تمتلك اية برامج اصلاحية. لذلك فان الجماهير خسرت مطالبها و ثورتها لصالح السياسيين و المتاجرين لانها كانت اسيرة الاوهام السياسية و الولاءات التي لا علاقة لها بمشاكلها التي فجرت الثورة لاجلها. اذا قمنا بمقارنة الحركات الثورية في اسبانيا و الولايات المتحدة و البرازيل و اليونان بما جرى لدينا فاننا نرى بوضوح ان هذه التحركات كانت مستقلة و حملت على البنوك و على الغلاء و المنظومة المصرفية و برغم عدم وضوح رؤيتها للحلول لكنها كانت واضحة في عدم استسلامها للاوهام الحلول السياسية خصوصا و ان السياسيين كانوا يجلسون في البرلمان و يصوتون بالاجماع على سياسات التقشف و تخصيص ميزانيات اكبر للشرطة و الاجهزة القمعية. لم يكن الامر كذلك في العالم العربي. لقد كانت الجماهير تصرخ الشعب يريد اسقاط النظام و لم يتحدث احد عن "اي نظام يريد الشعب بدلا من ذلك؟ و ما فائدة تغيير هذا الرئيس برئيس اخر؟ و ذلك الحزب بحزب اخر؟ هذا ما يجب ان تتعلمه الجماهير لكي يكون هنالك ربيع حقيقي. علينا ان نتحرك لاجل اشياء محددة و ان نطرح الحلول اكثر مما نفكر بالمشاكل و ان لا نترك الميادين قبل ان يتحقق لنا ذلك, سواء اكان المطلب اقامة طرق للدراجات الهوائية او تغيير المنظومة الاجتماعية برمتها. اذا خرجنا في تظاهرة تطالب بالخبز ينبغي ان نفكر قبل ذلك كيف يمكننا توفير الخبز. فيكون لدينا رؤية و مشروع للمستقبل و لا نهدأ قبل تنفيذه.

نحن ندعو الى الثورة الاجتماعية التي هي عملية تجري الان و ليست حدث.


Comments